الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي

68

معجم المحاسن والمساوئ

العبوديّة في قبال الربوبيّة : العبودية في قبال الربوبيّة هما مفهومان متضايفان - كالفوقيّة والتحتيّة والابوّة والبنوّة - لا ينفك أحدهما عن الآخر مفهوما وخارجا ، وادّعاء أحدهما لا ينفك عن ادّعاء الآخر ، بل هو بعينه . كما أنّ إنكار أحدهما لا ينفك عن إنكار الآخر ، كما في قوله تعالى : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . ومنه يعلم أنّ المراد من قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ الشفاعة بالاستقلال من دون توقّف على إذن اللّه ورضاه ، ومعناها كون الشفيع قادرا على إنفاذ شفاعته عند اللّه ، ومالكا لأمر المشفوع له من حيث إنقاذه من عقوبة اللّه وإيصاله إلى ثوابه ، وذلك مساوق لنوع من الربوبيّة . كما أن المراد من قوله تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى أنّهم يقرّبون إلى اللّه من غير حاجة إلى رضاه . بل مع سخطه عنّا وعدم تعرّضنا لطلب القرب من اللّه . ومعناه : أنّ عاقبة أمرنا بيدهم وأنّهم ما لكون لأمرنا ، وهو نوع من الربوبيّة . وهذا بخلاف الشفاعة عند اللّه بإذنه ورضاه . فليس الاستشفاع من الأنبياء والأئمّة عليهم السّلام وطلب الشفاعة منهم مع العلم والاعتقاد بأنّهم لا يشاءون إلّا أن يشاء اللّه ، وأنّ للّه الشفاعة جميعا وأنّهم يشفعون بإذن اللّه ورضاه ، إلّا طلبا لمرضاة اللّه وعفوه ومغفرته له لأجل منزلتهم ومكانتهم عنده جلّت عظمته ، فإنّهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ،