الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي
366
معجم المحاسن والمساوئ
منها وخير له ، لما يأتي في باب الصبر من عظم مثوبات الابتلاء بالمصائب في الدنيا . ومن حيث إنّها تنقص في القلب حبّ الدنيا والركون إليها ، وتشوّق إلى الآخرة وإلى لقاء اللّه سبحانه ؛ إذ لا ريب في أنّ من آتاه النعم في الدنيا على وفق المراد من غير امتزاج ببلاء ومصيبة ، يورث طمأنينة القلب إلى الدنيا وانسا بها ، حتّى تصير كالجنة في حقّه ، فيعظم بلاؤه عند الموت بسبب مفارقته ، وإذا كثرت عليه المصائب انزعج قلبه عن الدنيا ولم يأنس بها ، وصارت الدنيا سجنا عليه ، وكانت نجاته منها كالخلاص من السجن . ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر » . فمحن الدنيا ومصائبها ورياضاتها توجب انزعاج النفس عنها ، والتفاتها إلى عالمها الأصلي ، وتشوقّها إلى الخروج عنها إليه ورغبتها إلى لقاء اللّه وما اعدّ في الدار الآخرة لأهلها . فان قلت : غاية ما يتصوّر في البلاء أن يصبر عليه ، وأمّا الشكر عليه فغير متصوّر ، إذ الشكر إنّما يستدعي نعمة وفرحا ، والبلاء مصيبة وألم ، فكيف يشكر عليه ؟ وعلى هذا ينبغي ألّا يجتمع الصبر والشكر على شيء واحد ، إذ الصبر يستدعي بلاء وألما ، والشكر يستدعي نعمة وفرحا ، فهما متضادّان غير مجتمعين ، فكيف حكمتم باجتماعهما في المصائب والبلايا الدنيويّة ؟ قلنا : كلّ واحد من النعمة والبلاء ينقسم إلى مطلق ومقيّد . فالنعمة المطلقة كسعادة الآخرة والعلم والإيمان والأخلاق الحسنة في الدنيا ، والنعمة المقيّدة في الدنيا - أي ما هو نعمة وصلاح من وجه وبلاء وفساد من وجه - كالمال الّذي يصلح الدين من وجه ، ويفسده من وجه . والبلاء المطلق ، كشقاوة الآخرة والكفر والجهل والأخلاق السيّئة والمعاصي في الدنيا ، والبلاء المقيّد ، كمصائب الدنيا ، من الفقر والخوف والمرض وسائر أقسام المحن والمصائب ، فإنّها وإن كانت بلاء في الدنيا ، ولكنّها نعم في الآخرة . وعند التحقيق لا تخلو عن تكفير الخطيئة ، أو