الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي

228

معجم المحاسن والمساوئ

عليه إثم في الآخرة ولعلّك تقول : ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدي ، وهذا غاية الجهل والغباوة فإنّه بلاء تشتهيه أوّلا لنفسك ، فإنّك لا تخلو أيضا من عدوّ يحسدك ، فلو كانت النعم تزول بالحسد لم يبق اللّه عليك نعمة ولا على الخلق نعمة حتّى نعمة الإيمان ، لأنّ الكفّار يحسدون المؤمنين عليه قال اللّه تعالى : وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ . وإن اشتهيت أن تزول نعمة الغير عنه بحسدك ولا تزول عنك بحسد الغير فهذا غاية الجهل والغباوة ، فإنّ كلّ واحد من حمقاء الحسّاد أيضا يشتهي أن يخصّ بهذه الخاصّة ولست بأولى من غيرك فنعمة اللّه عليك في آن لم تزل نعمته عليك بحسد غيرك من النّعم الّتي يجبّ عليك شكرها وأنت بجهلك تكرهها ، وأمّا أنّ المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فواضح ، وأمّا منفعته في الدين فهو أنّه مظلوم من جهتك ، لا سيّما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه ، وهتك سرّه وذكر مساويه ، فهي هدايا تهديها إليه ، فإنّك تهدي إليه حسناتك حتّى تلقاه يوم القيامة مفلسا محروما عن النعمة كما خرجت في الدنيا محروما عن النّعمة ، فكأنّك أردت زوال النعمة عنه فلم يزل نعمه كان عليك نقمة إذ وفّقك اللّه للحسنات فنقلتها إليه فأضفت له نعمة إلى نعمة وأضفت إلى نفسك شقاوة إلى شقاوة وأمّا منفعته في الدنيا فهو أنّ أهمّ أغراض الخلق مساءة الأعداء وغمّهم وشقاوتهم وكونهم معذّبين مغمومين فلا عذاب أعظم ممّا أنت فيه من ألم الحسد ، وغاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة ، وأن تكون في غمّ وحسرة بسببهم وقد فعلت في نفسك ما هو مرادهم ، وقد قال عليّ عليه السّلام : « لا راحة للحسود » وقال عليه السّلام : « الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له » وقد عرفت من تضاعيف هذه المباحث وجه الكلمتين . ومن أجل ذلك ينبغي أن لا تشتهي أعداؤك موتك بل تشتهي أن تطول حياتك في عذاب الحسد لتنظر إلى نعمة اللّه تعالى عليهم فينقطع قلبك حسدا ، ولذلك قيل : لا مات أعداؤك بل خلّدوا * حتّى يروا منك الّذي يكمد لا زلت محسودا على نعمة * فإنّما الكامل من يحسد