الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي

349

معجم المحاسن والمساوئ

وقد أمهلني اللّه فيه بعظيم لطفه ، ولو توفّاني لكنت أتمنّى أن يرجعني إلى الدنيا يوما واحدا لأعمل صالحا ، فاحسبي أنّك توقيت ثمّ رددت ، فإيّاك أن تضيّعي هذا اليوم ، فإنّ كلّ نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها ، يمكن أن يشترى بها كنزا من الكنوز لا يتناهى نعيمها أبد الآباد . ويتذكر ما ورد في بعض الأخبار : من أنّ كلّ عبد خلقت له بإزاء كلّ يوم وليلة من عمره أربع وعشرون خزانة مصفوفة ، فإذا مات تفتح له هذه الخزائن ، ويشاهد كلّ واحد منها ويدخلها ، فإذا فتحت له خزانة خلقت بإزاء الساعة الّتي أطاع اللّه فيها ، يراها مملوءة نورا من حسناته الّتي عملها في تلك الساعة ، فيناله من الفرح والاستبشار بمشاهدة تلك الأنوار التي هي وسائل عند الملك الجبار ما لو وزّع على أهل النار لأدهشهم ذلك الفرح عن الإحساس بألم النار ، وإذا فتحت له خزانة خلقت بإزاء الساعة الّتي عصى اللّه فيها ، يراها سوداء مظلمة يفوح نتنها ويتغشأ ظلامها ، فيناله من الهول والفزع ما لو قسم على أهل الجنّة لينغص عليهم نعيمها ، فإذا فتحت له خزانة بإزاء الساعة الّتي نام فيها أو غفل أو اشتغل بشيء من مباحات الدنيا ، لم يشاهد فيها ما يسرّه ولا ما يسوؤه ، وهكذا يعرض عليه بعدد ساعات عمره الخزائن ، وعند ذلك يتحسر العبد على إهماله وتقصيره ، ويناله من الغبن ما لا يمكن وصفه . . . . وثانيها ( المراقبة ) : وهو أن يراقب نفسه عند الخوض في الأعمال ، فيلاحظها بالعين الكالئة ، فإنّها إن تركت طغت وفسدت ، ثمّ يراقب اللّه في كلّ حركة وسكون ، بأن يعلم أنّ اللّه تعالى مطّلع على الضمائر ، عالم بالسرائر ، رقيب على أعمال العباد ، قائم على كلّ نفس بما كسبت ، وأن سرّ القلب في حقّه مكشوف ، كما أنّ ظاهر البشرة للخلق مكشوف ، بل أشدّ من ذلك ، قال اللّه سبحانه : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ، وقال : أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى . . . . وثالثها - أي ثالث مقامات المرابطة وأعمالها - هو ( المحاسبة ) بعد العمل ، فإنّ العبد كما يختار وقتا في أوّل كلّ يوم ليشارط فيه النفس على سبيل التوصية