الشيخ علي المشكيني
408
تحرير المواعظ العددية فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين
تغضب ، وإن مدحت فلا تفرح ، وإن ذممت فلا تجزع ، وفكّر فيما قيل فيك ؛ فإن عرفت من نفسك ما قيل فيك فسقوطك من عين اللّه عزّ وجلّ عند غضبك من الحقّ أعظم مصيبة ممّا خفت من سقوطك من أعين الناس ، وإن كنت على خلاف ذلك فثواب اكتسبته من غير تعب بذلك . وقال محمّد الباقر عليه السّلام : أوصاني أبي عليه السّلام فقال : لا تصحبنّ خمسة ولا ترافقهم في الطّريق : لا تصحبنّ فاسقا ؛ فإنّه بايعك بأكلة فما دونها . قلت : يا أبت ، وما دونها ؟ قال : يطمع فيها ثمّ لا ينالها ، ولا تصحبنّ البخيل ؛ فإنّه يقطعك في ماله أحوج ما كنت إليه ، ولا تصحبنّ كذّابا ، فإنّه بمنزلة السراب « 1 » يبعّد منك القريب ويقرّب منك البعيد ، ولا تصحبنّ الأحمق ؛ فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك ، ولا تصحبنّ قاطع رحم ؛ فإنّي وجدته ملعونا في كتاب اللّه في ثلاثة مواضع . قال اللّه تبارك وتعالى مخاطبا للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله : يا أحمد ، هل تدري متى يكون العبد عابدا ؟ قال : لا يا ربّ ، قال : إذا اجتمع فيه خمس خصال : ورع يحجزه عن المحارم ، وصمت يكفّه عمّا لا يعنيه ، وخوف يزداد كلّ يوم في بكائه ، وحياء يستحيي في الخلاء « 2 » ، وأكل ما لا بدّ منه ، وبغض الدّنيا لبغضي لها ، ومحبّة الأخيار لحبّي إيّاهم . وفي الحديث : خمس من كنّ فيه كنّ عليه : النكث ، والبغيّ ، والمكر « 3 » والخداع ، والظلم ؛ أمّا النكث فقد قال اللّه تعالى : فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وأمّا المكر فقد قال اللّه تعالى : وَلا يَحِيقُ « 4 » الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا
--> ( 1 ) . السراب : ما يشاهد عند نصف النهار في اشتداد الحرّ كأنّه ماء ، يضرب به المثل في الكذب والخداع . ( 2 ) . الخلاء : المكان لا شيء فيه ( مجمع البحرين : 1 / 698 ) . ( 3 ) . المكر : صرف الغير عمّا يقصده بحيلة ، وذلك ضربان : محمود ؛ وذلك بأن يتحرّى بذلك فعل جميل ، وعلى ذلك قال : وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ * ومذموم ؛ وهو أن يتحرّى به فعل قبيح . ( 4 ) . حاق يحيق - يأتي - : أي أحاط ، حاق بهم العذاب أي نزل بهم أي لا يحيط المكر السيّئ إلّا بأهله ، وهو الماكر .