الشيخ علي المشكيني
294
تحرير المواعظ العددية فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين
كان مالك بن أنس بن عامر فقيه المدينة يقول : كنت أدخل على الصّادق عليه السّلام فيقدّم إليّ مخدّة ويعرف لي قدرا ، ويقول : يا مالك ، إنّي احبّك ، فكنت اسرّ بذلك وأحمد اللّه عليه ، وكان عليه السّلام لا يخلو من إحدى ثلاث خصال : إمّا صائما ، وإمّا قائما ، وإمّا ذاكرا ، وكان من عظماء العبّاد وأكابر الزهّاد الّذين يخشون اللّه عزّ وجلّ ، وكان كثير الحديث ، طيّب المجالسة ، كثير الفوائد ، فإذا قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله اصفرّ مرّة واخضرّ أخرى حتّى ينكره من يعرفه ، ولقد حججت معه سنة فلمّا استوت به راحلته عند الإحرام كان كلّما همّ بالتلبية « 1 » انقطع الصوت في حلقه ، وكاد أن يخرّ عن راحلته ، فقلت : قل يا بن رسول اللّه ، فلا بدّ لك من أن تقول ، فقال : يا بن أبي عامر ! كيف أجسر أن أقول : لبيك اللّهمّ لبيك ، وأخشى أن يقول لي عزّ وجلّ : لا لبّيك ولا سعديك . وعن سفيان الثوري قال : لقيت الصّادق بن الصّادق محمّد عليهما السّلام فقلت له : يا بن رسول اللّه ، أوصني ، فقال : يا سفيان ، من أراد عزّا بلا عشيرة ، وغنى بلا مال ، وهيبة بلا سلطان فلينتقل من ذلّ معصية اللّه إلى عزّ طاعته ، فقلت : زدني يا بن رسول اللّه ، فقال لي : يا سفيان ، أمرني والدي عليه السّلام بثلاث ونهاني عن ثلاث ، وكان فيما قال لي : يا بنيّ من يصحب صاحب السوء لا يسلم ، ومن يدخل مداخل السوء يتّهم ، ومن لا يملك لسانه يأثم ، ثمّ أنشدني : عوّد لسانك قول الحقّ تحظ به * إنّ اللسان لما عوّدت معتاد موكّل يتقاضى ما سننت له * في الخير والشرّ فانظر كيف تعتاد وقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : أيّما ثلاثة مؤمنين اجتمعوا عند أخ لهم يأمنون بوائقه « 2 » ،
--> ( 1 ) . التلبية : هي إجابة المنادي ؛ أي إجابتي لك يا ربّ ، وهو مأخوذ من لبّ بالمكان وألبّ به : إذا أقام به ، وألبّ على كذا : أي لم يفارقه . ولم يستعمل إلّا على لفظ التثنية في معنى التكرير : أي إجابة بعد إجابة . وهو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر كأنّك قلت : ألبّ إلبابا بعد إلباب . والتلبية من لبّيك كالتهليل من لا إله إلّا اللّه . وقيل : معناه اتّجاهي وقصدي يا ربّ إليك . . . وقيل : معناه إخلاصي لك ( النهاية : 4 / 222 ) . ( 2 ) . بوائقه : أي غوائله وشروره ، واحدها بائقة ؛ وهي الداهية ( النهاية : 1 / 160 ) .