الشيخ علي المشكيني

266

تحرير المواعظ العددية فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين

يا أبا ذرّ ، تعيش وحدك ، وتموت وحدك ، وتدخل الجنّة وحدك يسعد بك قوم من أهل العراق يتولّون غسلك وتجهيزك ودفنك . يا أبا ذرّ ، لا تسأل بكفّك ، وإن أتاك شيء فاقبله . ثمّ قال صلّى اللّه عليه واله لأصحابه : ألا أخبركم بشراركم ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه ، قال : المشّاؤون بالنميمة ، المفرّقون بين الأحبّة ، الباغون للبرآء « 1 » العيب « 2 » . وقال صلّى اللّه عليه واله في حديث طويل : طوبى لمن ذلّ في نفسه ، وأنفق الفضل من ماله ، وأمسك الفضل من كلامه . وقال صلّى اللّه عليه وآله : بينا ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم يمشون إذا أصابهم مطر ، فآووا إلى غار فانطبق عليهم ، فقال بعضهم لبعض : يا هؤلاء ! ما ينجيكم إلّا الصدق ؛ فليدع كلّ رجل منكم ما يعلم اللّه عزّ وجلّ أنّه قد صدق فيه ، فقال أحدهم : اللّهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أجبر عمل لي عملا على فرق « 3 » من أرزّ ، فذهب وتركه ، فزرعته ، فصار من أمره أنّي اشتريت من ذلك الفرق بقرا ، ثمّ أتاني فطلب أجره ، فقلت اعمد إلى تلك البقر فسقها فإنّها من اجرتك فساقها ؛ فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا فانساخت عنهم الصخرة . وقال آخر : اللّهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أبوان شيخان كبيران كنت آتيهما كلّ ليلة بلبن غنم لي ، فأبطأت عليهما ذات ليلة ، فأتيتهما وقد رقدا ، وأهلي وعيالي يتضاغون « 4 » من الجوع ، وكنت لا أسقيهم حتّى يشرب

--> ( 1 ) . هو جمع بريء . ( 2 ) . النميمة : من نمّ الحديث ؛ أي أبلغه على وجه الإشاعة والإفساد . مشى بها : أي مشى بين الاثنين لغرض النّم ، ولعلّ قوله عليه السّلام : المفرّقون بين الأحبّة بيان للنمّام ، ويمكن أن يكون أعمّ من النميمة ؛ لأن التفريق بين الأحبّة له طرق منها النميمة . والباغون للبرآء العيب ؛ أي الطالبون لهم العيب ، وهم الّذين يتجسّسون أعمال الناس كي يعثروا لهم على عيب . ( 3 ) . الفرق - بالتحريك - : مكيال يسع ستّة عشر رطلا ؛ وهي اثنا عشر مدّا وثلاثة أصواع عند أهل الحجاز . وقيل : الفرق خمسة أقساط ، والقسط نصف صاع . وأمّا الفرق - بالسكون - فمائة وعشرون رطلا ( لسان العرب : 10 / 305 ) . ( 4 ) . يقال : رأيت صبيانا يتضاغون : إذا تباكوا ( لسان العرب : 14 / 485 ) .