الشيخ علي المشكيني
183
تحرير المواعظ العددية فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين
فعليك ببطن جاعت بعد الشبع ؛ فإنّ الخير فيها مضمون ، واللّه لأمدّنّ يدي إلى فم ثعبان ولا أمدّنّها إلى من كان جائعا وهو الآن شبعان ؛ فإنّ الكريم كلّما اغتنمه « 1 » أو كسّبه احتقر ذلك في نفسه ، ومثله كالشمس لا تمنع نفعها ولو كان عليها غيم ، واللئيم كالحنظل كلّما ازداد « 2 » ريعا يزداد مرورة . وقال عليه السّلام لبعض أصحابه : لا تجعلنّ أكثر شغلك لأهلك وولدك وإن يكن أهلك وولدك أولياء اللّه ؛ فإنّ اللّه لا يضيع أوليائه ، وإن يكونوا أعداء اللّه ، فما عملك وشغلك بأعداء اللّه ؟ ! وقال عليه السّلام لابنه الحسن عليه السّلام : يا بنيّ لا تخلّفنّ وراءك شيئا من الدّنيا ؛ فإنّك تخلّفه لأحد رجلين : إمّا رجل عمل فيه بطاعة اللّه ، فسعد بما شقيت به ، وإمّا رجل عمل فيه بمعصية اللّه ، فكنت له عونا على معصيته ، وليس أحد هذين حقيقا أن تؤثر « 3 » على نفسك ، وتحمل له على ظهرك . وقال عليه السّلام في ذمّ الدّنيا : ما أصف من دار أوّلها عناء وآخرها فناء ، في حلالها حساب وفي حرامها عقاب ، من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن ساعاها « 4 » فاتته ، ومن قعد عنها واتته ، ومن أبصر بها بصرته ، ومن أبصر إليها أعمته « 5 » .
--> ( 1 ) . يقال : غنّمه كذا أي : أعطاه إيّاه . ويقال كسّبت زيدا مالا واكتسبت زيدا مالا : أعنته على كسبه ، أو جعلته يكسبه . يعني أنّ الكريم يحتقر عطاياه في نفسه ، فلا يستكثر ولا يمنّ ، بل قد يعتذر من القلّة . ( 2 ) . الرّيع : النّماء والزيادة ( لسان العرب : 8 / 137 ) . ( 3 ) . آثره : أي فضّله ؛ أي ليس أحد من هذين الرجلين حقيقا أن تفضّله وتختاره على نفسك وتحمل له الوزر على ظهرك . ( 4 ) . أي من جرى معها في مطالبها يعني بذلك أنّه اهتم وجدّ في طلبها فاتته أي سبقته ، فإنّه كلّما نال شيئا فتحت له أبواب الآمال فيها ، فلا يكاد يقضي مطلوبا حتّى يهتف به ألف مطلوب . هكذا فسّره بعض . وفسّره البحراني في شرحه على نهج البلاغة بنحو آخر ، فراجع الشرح : ج 2 ، ص 229 . ومن قعد عنها ولم يطلبها وتركها واتته : أي طاوعته ووافقته وأقبلت إليه ، أو طاوعته يعني استراح هو فيها . ( 5 ) . من جعلها سبب هدايته واعتبر منها واستدلّ بآياتها جعلته بصيرا ومن أبصر إليها ؛ أي جعلها موضع همّته وطلبه أعمته عن إدراك الحقائق وعن معرفة عيوبها ، ولذلك صار حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة .