الشيخ علي المشكيني

173

تحرير المواعظ العددية فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين

وقال صلّى اللّه عليه وآله : خصلتان من كانتا فيه كتبه اللّه شاكرا صابرا . من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به ، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد اللّه على ما فضّله اللّه عليه كتبه اللّه شاكرا صابرا ، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه ، فأسف على ما فاته منه لم يكتبه اللّه شاكرا ولا صابرا . وقال صلّى اللّه عليه وآله : منهومان « 1 » لا يشبعان : طالب علم وطالب دنيا . وقال صلّى اللّه عليه وآله : يهرم ابن آدم ويشبّ منه اثنتان : الحرص على المال ، والحرص على العمر . جبلت النفوس على حبّ من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها . جفّ القلم « 2 » بالشقيّ والسعيد . وقال صلّى اللّه عليه وآله : الدّنيا والآخرة كالمغرب والمشرق ؛ فإذا قربت من واحدة بعدت من الأخرى . وقال صلّى اللّه عليه وآله : الحريص الجاهد ، والقانع الزّاهد يستوفيان أكلهما غير منتقص منه شيء ؛ فعلام التهافت في النار ؟ !

--> ( 1 ) . النّهم - بالتحريك - : إفراط الشهوة في الطعام ، وأن لا تمتلئ عين الآكل ولا تشبع . وقد نهم بكذا فهو منهوم : أي مولع به ( لسان العرب : 12 / 593 ) . ( 2 ) . جفّ القلم : كناية عمّا كتب في اللوح المحفوظ أو عمّا قدّر له من السعادة والشقاوة ، فإن كان المراد السعادة والشقاوة الدنيوية فلا يهمّ البحث عنه ، وإن كان المراد منهما الأخروية ففيه أبحاث طويلة في الكتب المعدّة لذلك ، وملخّصه أنّه إن كان المراد أنّه في علم اللّه سبحانه كذلك فلا إشكال ؛ إذ علمه عزّ وجلّ لا يكون علّة لأفعال العباد ، وإن كان المراد أنّه قدّر كذلك بمعنى أنّه أراد اللّه تعالى ذلك تكوينا فلا إشكال أيضا ؛ لأنّ التقدير ليس علّة تامة بل هو مقتض ، بل في الأخبار أنّ كلّ إنسان فيه اقتضاء الخير والشر فهو باختياره يرجّح أيّا منهما شاء . وفي مجمع البحرين : فجعل جفاف القلم كناية عن جريانه بالمقادير وإمضائها والفراغ منها تمثيلا ، وذلك أبلغ في المراد ؛ لأنّ الكاتب إنّما يجفّ قلمه بعد الفراغ ممّا يكتب ، قال بعض شرّاح الحديث : ولم يوجد هذا اللفظ مستعملا على هذا الوجه فيما انتهى إلينا من كلام العرب ، فيمكن أن يكون من الألفاظ المستعارة التي لم يهتد إليها البلغاء ، فاقتضتها الفصاحة النبويّة .