محمد الغزالي
44
خلق المسلم
التملص من عواقبه . وهذا غباء وهوان ، وهو فرار من الشر إلى مثله أو أشد ، والواجب أن يعترف الإنسان بغلطه . فلعل صدقه في ذكر الواقع وألمه عمّا بدر منه يمسحان هفوته ويغفران زلته . ومهما هجس في النفس من مخاوف - إذا قيل الحق - فالأجدر بالمسلم أن يتشجع وأن يتحرج من لوثات الكذب . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « تحروا الصدق وإن رأيتم أن الهلكة فيه ، فإن فيه النجاة » « 1 » ، وقال : « إذا كذب العبد تباعد الملك عنه ميلا من نتن ما جاء به » « 2 » . والصدق في الأقوال يتأدى بصاحبه إلى الصدق في الأعمال والصلاح في الأحوال ، فإن حرص الإنسان على التزام الحق فيما ينبس به يجعل ضياء الحق يسطع على قلبه وعلى فكره ، ولذلك يقول اللّه عزّ وجلّ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً « 3 » . والعمل الصادق هو العمل الذي لا ريبة فيه لأنه وليد اليقين ، ولا هوى معه لأنه قرين الإخلاص ، ولا عوج عليه لأنه نبع من الحق . ونجاح الأمم في أداء رسالتها ، يعود إلى جملة ما يقدمه بنوها من أعمال صادقة . فإن كانت ثروتها من صدق العمل كبيرة ، سبقت سبقا بعيدا ، وإلا سقطت في عرض الطريق ، فإن التهريج والخبط ، والادّعاء والهزل ؛ لا تغني فتيلا عن أحد . قال رسول اللّه : « عليكم بالصدق ، فإن الصدق يهدي إلى البر ، والبر يهدي إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند اللّه صدّيقا . . وإياكم والكذب ! فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي
--> ( 1 ) ابن أبي الدنيا . ( 2 ) الترمذي . ( 3 ) الأحزاب : 70 ، 71 .