محمد الغزالي

39

خلق المسلم

أردت أن أعطيه تمرا ، فقال لها : « أما إنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة ! ! » « 1 » . وعن أبي هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من قال لصبي : تعال ، هاك ، ثم لم يعطه فهي كذبة » « 2 » . فانظر كيف يعلّم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الأمهات والآباء أن ينشئّوا أولادهم تنشئة يقدسون فيها الصدق ، ويتنزهون عن الكذب . ولو أنه تجاوز عن هذه الأمور وحسبها من التوافه الهيّنة لخشي أن يكبر الأطفال ، وهم يعتبرون الكذب ذنبا صغيرا - وهو عند اللّه عظيم - . وقد مشت الصرامة في تحري الحق ، ورعاية الصدق ، حتى تناولت الشؤون المنزلية الصغيرة . عن أسماء بنت يزيد قالت : يا رسول اللّه ، إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه ، لا أشتهيه ، يعدّ ذلك كذبا ؟ قال : « إن الكذب يكتب كذبا حتى تكتب الكذيبة كذيبة » « 3 » . وقد أحصى الشارع مزالق الكذب ، وأوضح سوء عقباها ، حتى لا يبقى لأحد منفذ إلى الشرود عن الحقيقة ، أو الاستهانة بتقريرها . فالمرء قد يستسهل الكذب حين يمزح ! ! حاسبا أن مجال اللهو لا حظر فيه على إخبار أو اختلاق . ولكن الإسلام الذي أباح الترويح عن القلوب لم يرض وسيلة لذلك إلا في حدود الصدق المحض ، فإن في الحلال مندوحة عن الحرام وفي الحق غناء عن الباطل . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك منه القوم فيكذب ، ويل له ، ويل له » « 4 » . وقال : « أنا زعيم ببيت في وسط الجنة ، لمن ترك الكذب وإن كان مازحا » « 5 » . وقال : « لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاح والمراء وإن كان صادقا » « 6 » .

--> ( 1 ) أبو داود . ( 2 ) أحمد . ( 3 ) مسلم . ( 4 ) الترمذي . ( 5 ) البيهقي . ( 6 ) أحمد .