محمد الغزالي
240
خلق المسلم
ومن محافظة الإسلام على الوقت حثه على التبكير ، ورغبته في أن يبدأ المسلم أعمال يومه نشيطا طيب النفس مكتمل العزم ، فإن الحرص على الانتفاع من أول اليوم يستتبع الرغبة القوية في ألا يضيع سائره سدى . ونظام الحياة الإسلامية يجعل ابتداء اليوم من الفجر ويفترض اليقظة الكاملة قبل طلوع الشمس ويكره السهر الذي يؤخر صلاة الصبح عن وقتها المسنون . وفي الحديث : « اللهم بارك لأمتي في بكورها » « 1 » . وإنه لمن الغفلة والحرمان أن يألف أقوام النوم حتى الضحى ، فتطلع عليهم الشمس وهم يغطون ، على حين تطلع على آخرين وهم منهمكون في وسائل معاشهم ومصالح معادهم . وروي عن فاطمة بنت محمد - عليه الصلاة والسّلام - قالت : مر بي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا مضطجعة متصبحة . فحركني برجله ، ثم قال : « يا بنية قومي اشهدي رزق ربك ولا تكوني من الغافلين . فإن اللّه يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس » « 2 » . إذ إن الجادين والكسالى يتميزون في هذا الوقت ، فيعطى كل امرئ حسب استعداده ، من خير الدنيا والآخرة . * * * وكما أن الزمن يستغرق التكاليف التي نيطت بأعناق العباد ، فهو يستوعب الأقضية التي يرسلها اللّه على الناس من خير وشر ، وهي أقضية تفيض بالعظات الحقة ، والدروس القيمة لمن يلقي إليها باله : يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ « 3 » . والناس ينظرون إلى الأحداث ويذهلون عن مرسلها ، ويذوقون السراء والضراء ، ويجهلون من يذيقهم طعومها ، فإذا ضاقوا ذرعا بأمر ما ، لعنوا الأيام وما تفد به ، وهذا ضرب من الجهل باللّه ، والغفلة عن أقداره في عباده : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قال اللّه عزّ وجلّ : يؤذيني ابن آدم . يسب الدهر .
--> ( 1 ) أبو داود . ( 2 ) البيهقي . ( 3 ) النور : 44 .