محمد الغزالي
232
خلق المسلم
لنفع الناس ابتغاء وجه اللّه ، وانتظار ما لديه من مثوبة . * * * إن الحاجز رقيق جدا وكثيف جدا بين ما هو دين محض وما هو دنيا محضة والمرجع - كما أسلفنا البيان - إلى سلامة القصد ونبل الغاية . فالشيء الواحد قد يكون فاحشة كبيرة بما يلابسه من هوى ، وقد يكون جهادا مبرورا بما يصاحبه من إخلاص . والناس قد يقرأون قوله تعالى : الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا « 1 » فينظرون إلى المال والبنين على أنهما انتفاع فحسب ! وما دروا أن المال والبنين هما إمداد الجهاد المفروض . وأن تثمير الأموال وتكثير الأولاد قد جعلهما اللّه عدة النصر للأمم التي غلبت على أمرها حينا ، ثم أمكنها أن تستعيد مجدها المفقود ، بم ؟ وكيف ؟ . ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً « 2 » فبالمال والبنين امتدت هذه الأمة بعد انكماش وتقدمت بعد تقهقر ، واستعادت رضا اللّه بعد ما فقدته . والقول كذلك في دائرة العلم ، فلو اشتغل رجل بعلوم السماد يبتغي إخصاب أرض اللّه ما نقصه أجره ذرة ؛ بل لعله يزيد على رجل صف قدميه في المحراب وأخذ يحيي الليل في الصلاة ! ! . إن الإسلام ارتفع بمنازل العلماء وقدر جهودهم ، وكرم ثمارهم إلى حد بعيد : عن معاذ بن جبل : ( تعلموا العلم ، فإن تعلمه للّه خشية ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة ، لأنه معالم الحلال والحرام ، ومنار سبل أهل الجنة ، وهو الأنيس في الوحشة ، والصاحب في الغربة ، والمحدث في الخلوة ، والدليل على السراء والضراء ، والسلاح على الأعداء ، والزّين عند الأخلاء ، يرفع اللّه به أقواما ،
--> ( 1 ) الكهف : 46 . ( 2 ) الإسراء : 6 .