محمد الغزالي

212

خلق المسلم

بعد هذه التعاليم التي توفر لأصحابها العزة الكاملة ، فرادى وجماعات قال : وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ . وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها . فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ « 1 » . فمن خلق المسلم أن يغفر إذا استغضبه من دونه . ومن خلقه كذلك أن يؤدّب المجترئين عليه ، حتى يفل حدّهم ويكسر شوكتهم . وهو في هذه الحال مكلف أن يبرز قوته حتى يرهب المجرمين ، وله وهو في هذا المكان العالي أن يعفو ، فإن عفو المقتدر - بعد أن تنتفي علائم الضعف - لون آخر من تأديب المجرمين وكرامة المؤمنين . فالخلق الذي تضمنته الآيات الأخيرة ، يغاير الخلق الذي تضمنته الآيات الأولى . . الأولى تعني التجاوز عن هفوات العاثرين : وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ . أما الأخرى فتقدم الجاني إلى القضاء ، وتصدر عليه العقاب ، وتمكن سيف القصاص من عنقه ، إذا انكسرت سطوته واختفت جرأته ، جاء الفضل ، بعد استطالة العدل ! فكان زيادة في انقماع المستخفين وزيادة في عزة المسلم . ولما كان في النفس الإنسانية شيء من الضعف أو القلق ، ربما حملها على الخنوع لمن يملك الفصل في أمورها وقضاء مطالبها . وربما انزلق بها إلى مواقف تجافي الكرامة . لذلك علمنا رسول اللّه ألا نستكين في هذه الأمور وأن تبقى جباهنا عالية ونحن نسعى إلى ما نبغي فقال : « اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير » . وبيّن لنا أن البشر - ولو اجتمعوا بأسرهم - أذل من أن يمنعوا شيئا أعطاه اللّه ، وأقل من أن يعطوا شيئا منعه اللّه ، ومن ثم فعلى المسلم أن يردّ مصاير الأمور إلى مدبرها الأعظم ، وأن يجعل فيه الثقة وعليه المعوّل .

--> ( 1 ) الشورى : 39 - 40 .