محمد الغزالي
199
خلق المسلم
والناس بعدئذ طبائع . منهم الذي يهرع إلى المجامع الحافلة ، وسرعان ما يتصل بهذا وذاك . ويستأنس بتصفح الوجوه ومحادثة القريب والبعيد ، ومنهم من تزج به في الأحفال المائجة فإذا هو يقيم حول نفسه سورا ، يطل منه على الناس بحذر ، ويتوارى خلفه إن قصده قاصده . كلتا الطبيعتين هداها الإسلام نهجها السوي . فيقال للأول : « خالط الناس ، ودينك لا تكلمنّه » . ويقال للآخر : « المؤمن هيّن ليّن إلف مألوف » . على أن الإسلام أوجب اعتزال الفتن . فإذا اضطربت البلاد وتهارش أهلها على الدنيا ، وانتقضت عرا الفضائل فإن مقاطعة الفساد لون من استنكاره وذلك في حدود مراتب التغيير التي شرعها اللّه لخصومة المنكر من تغيير اليد ، فاللسان ، فالقلب . أي أن اعتزال الفساد لا يقبل ممن يملك تغييره بلسانه فضلا عن يده ؛ والمقاطعة سلاح استخدم في هذا العصر بحكمة . جربته الأمم المستضعفة مع عدوها القاهر . . . ومنزلة المقاطعة من أسلحة الكفاح الأخرى هي منزلة الاعتزال من أساليب الإصلاح الكثيرة . أي أنها مهرب العجزة عندما لا يجدون وسيلة غير الفرار بدينهم . فأما عند كثرة الوسائل التي يمكن بها إطفاء الفتن فالاعتزال - كما بينا - جريمة نكراء . وعلى ضوء هذا البيان تفهم قول رسول اللّه وقد سئل : أي الناس أفضل يا رسول اللّه ؟ قال : « مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل اللّه . قيل : ثم من ؟ قال : رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه » « 1 » . ثم إن العزلة والاختلاط لا يمكن أن يكونا وصفين دائمين للإنسان . فليقسم المسلم وقته بين الخلوة النافعة والاختلاط الحسن ، ليخرج من الحالين بما يصلح شأنه كله . * * * وعلى هذا الأساس نتخير الأصحاب ، ونرغب في الصداقات أو
--> ( 1 ) البخاري ومسلم .