محمد الغزالي

191

خلق المسلم

صلاة العيد ، جعل مكانه الأرض الفضاء خارج البلد وأمر الرجال والنساء - حتى الحيّض - بإتيانه ، إتماما للنفع وزيادة في الخير . ثم أذن إلى حشد أضخم يضم الشتات من المشرق إلى المغرب ، ففرض الحج ، وجعل له مكانا معلوما وزمانا معلوما ، حتى يجعل اللقاء بين أجناس المسلمين أمرا محتوما . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شديد التحذير من عواقب الاعتزال والفرقة وكان في حله وترحاله يوصي بالتجمع والاتحاد . عن سعيد بن المسيب : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الشيطان يهم بالواحد والاثنين فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم » « 1 » . وقد رأى في سفره أن القافلة عندما تستريح يتفرق أهلها هنا وهناك ، كأنّما ليس بينهم رباط ، فكره هذا المنظر ونفر منه . عن أبي ثعلبة : كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن تفرقكم هذا من الشيطان . فلم ينزلوا بعد إلا انضم بعضهم إلى بعض . حتى يقال : لو بسط عليهم ثوب لعمّهم » « 2 » . وذلك أثر امتزاج المشاعر ، وتبادل الحب وانسجام الصفوف . * * * إن الناس إن لم يجمعهم الحق شعبهم الباطل ، وإذا لم توحدهم عبادة الرحمن مزقتهم عبادة الشيطان ، وإذا لم يستهوهم نعيم الآخرة تخاصموا على متاع الدنيا . . ولذلك كان التطاحن المر من خصائص الجاهلية المظلمة ، وديدن من لا إيمان لهم . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا ترجعوا بعدي كفارا ، يضرب بعضكم رقاب بعض » « 3 » . يعني أن هذا العراك الدامي شأن الكافرين المنقسمين على أنفسهم أحزابا متناحرة .

--> ( 1 ) مالك . ( 2 ) أبو داود . ( 3 ) الترمذي .