محمد الغزالي
189
خلق المسلم
قال : . . . وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ ، بَغْياً بَيْنَهُمْ « 1 » . فانظر إلى ضراوة العلم عندما يفقد الإخلاص للّه والرفق بالعباد ، كيف يثير الفرقة ويقطع ما أمر اللّه به أن يوصل . إن اختلاف الأفهام واشتجار الآراء ليس بمستغرب في الحياة ، ولكن ليس هذا سبب التقاطع والشقاق . يعود سبب الشقاق إلى انضمام عوامل أخرى ، تستغل تباين الأنظار والأفكار للتنفيس عن أهواء باطنة . ومن ثمّ ينقلب البحث عن الحقيقة إلى ضرب من العناد لا صلة له بالعلم البتة . ولو تجردت النيات للبحث عن الحقيقة ، وأقبل روّادها وهم بعداء عن طلب الغلب ، والسمعة ، والرياسة ، والثراء ؛ لصفيت المنازعات التي ملأت التاريخ بالأكدار والمآسي . وقد لحظنا أن هناك توافه ضخم الخلاف فيها وامتد ، لأن هذا الخلاف اقترن ابتداء بمنافع سياسية . على حين انكمش الخلاف في مسائل هامة ، وتركت وجهات النظر ترسو حيث شاءت ، لأن نتائج هذا الخلاف نظرية بحتة ! . ولما كان هذا الاختلاف المريب مفسدا لدين اللّه ودنيا الناس اعتبره الإسلام انفصالا عنه وكفرا : قال اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ، إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ . ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ « 2 » . وحذر اللّه المسلمين من الخلاف في الدين والتفرق في فهمه شيعا متناحرة متلاعنة كما فعل الأولون : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ،
--> ( 1 ) البقرة : 213 . ( 2 ) الأنعام : 159 .