محمد الغزالي
178
خلق المسلم
ومن ثم فأصحاب الإسلام وحملة رسالته يجب أن يستشعروا جلال العقيدة التي شرح اللّه بها صدورهم ، وجمع عليها أمرهم ، وأن يولوا التعارف عليها ما هو جدير به من عناية وإعزاز . . إنه تعارف يجدد ما درس من قرابة مشتركة بين الخلق ، ويؤكد الأبوة المادية المنتهية إلى آدم بأبوة روحية ترجع إلى تعاليم الأديان الملخصة في رسالة الإسلام ، وبذلك يصير الدين الخالص أساس أخوة وثيقة العرى ، تؤلف بين أتباعه في مشارق الأرض ومغاربها ، وتجعل منهم ، على اختلاف الأمكنة والأزمنة ، وحدة راسخة الدعامة سامقة البناء ، لا تنال منها العواصف الهوج . وهذه الأخوة هي روح الإيمان الحي ، ولباب المشاعر الرقيقة التي يكنها المسلم لإخوانه ، حتى إنه ليحيا بهم ويحيا لهم ، فكأنهم أغصان انبثقت من دوحة واحدة ، أو روح واحد حل في أجسام متعددة . * * * إن الأثرة الغالبة آفة الإنسان وغول فضائله . إذا سيطرت نزعتها على امرئ محقت خيره ونمت شره ، وحصرته في نطاق ضيق خسيس لا يعرف فيه إلا شخصه ؛ ولا يهتاج بالفرح أو الحزن إلا لما يمسه من خير أو شر . أما الدنيا العريضة ، والألوف المؤلفة من البشر ، فهو لا يعرفهم إلا في حدود ما يصل إليه عن طريقهم ليحقق آماله أو يثير مخاوفه . وقد حارب الإسلام هذه الأثرة الظالمة بالأخوة العادلة ، وأفهم الإنسان أن الحياة ليست له وحده . وأنها لا تصلح به وحده فليعلم أن هناك أناسا مثله ، إن ذكر حقه عليهم ومصلحته عندهم فليذكر حقوقهم عليه ومصالحهم عنده ، وتذكّر ذلك يخلع المرء من أثرته الصغيرة ، ويحمله على الشعور بغيره حين يشعر بنفسه . فلا يتزيد ولا يفتات . من حق أخيك عليك أن تكره مضرته ، وأن تبادر إلى دفعها ، فإن مسّه ما يتأذى به شاركته الألم ، وأحسست معه بالحزن . أما أن تكون ميت العاطفة قليل الاكتراث ، لأن المصيبة وقعت بعيدا عنك فالأمر لا يعنيك ، فهذا تصرف لئيم ، وهو مبتوت الصلة بمشاعر الأخوة الغامرة التي تمزج بين نفوس المسلمين فتجعل