محمد الغزالي
151
خلق المسلم
والحق أن ملذات الطعام وحطام الدنيا أنزل قدرا من أن يتفانى الناس فيها النحو الشائن الذي نراه في عصرنا هذا . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا إن قزّحه « 1 » وملّحه ، فانظر إلام يصير » « 2 » ؟ ؟ . وفي رواية : « إن اللّه ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا » . وهذا الكلام قد يخطئ الناظر القاصر فهم دلالته ، وقد يحسبه إبعادا للمسلم عن الحياة وحثا له على ترك طيباتها وهجر نعمائها . وشيء من ذلك لا يقصد إليه الإسلام ؛ فإن تحريم الحلال ، كتحليل الحرام ، جريمة منكرة ؛ وحق اللّه على المسلم ألا يغلب الحرام صبره ، ولا الحلال شكره . أما حقه في الحياة والاستمتاع بخيرها فلا ريب فيه : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ، إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ « 3 » . وقد رأينا كرم أبي الأنبياء إبراهيم مع ضيوفه ، فقد بادر بذبح عجل سمين لهم . وقدمه على المائدة دون استفسار أو انتظار : فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ : فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ : أَ لا تَأْكُلُونَ « 4 » . وكان رسول اللّه وأصحابه في حياتهم الخاصة ينزلون عند قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ « 5 » . وللبدن مطالب ، أجمع العقلاء على أن في انتقاصها إضرارا به ، فكل زهد أو تصوف يغض منها فالإسلام بريء منه . والحملات التي شنها الإسلام على
--> ( 1 ) قزحه : وضع عليه التوابل . ( 2 ) أحمد . ( 3 ) المائدة : 93 . ( 4 ) الذاريات : 27 . ( 5 ) المائدة : 87 .