محمد الغزالي
149
خلق المسلم
المصدق بالدار الآخرة ليست كحياة الكافر الذي يعتبر عمره فوق ظهر الأرض هو دنياه وآخرته معا . هو فرصته الأولى والأخيرة لقضاء لباناته وإدراك غاياته . وأكثر الذين يفقدون عفتهم ، ويتبعون نزواتهم ، ويعيشون للمتع وحدها ، هم من ذلك الصنف الأخير . أو هم إليه منتهون إن لم يثوبوا إلى رشدهم ، ويرجعوا عن غيهم . وفي هؤلاء يقول اللّه عز وجل : إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ « 1 » . ويقول : رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ . ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ « 2 » . أما المؤمن فهو يقسّم آماله ورغائبه على معاشه ومعاده ، ويطلب الخير لنفسه في يومه وغده . وقد علمنا القرآن الكريم أن التطلع إلى النعمة والسعادة في كلتا الحياتين هو من أكبر الذكر للّه ! ! قال اللّه تعالى : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا ، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ، وَقِنا عَذابَ النَّارِ ، أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا « 3 » . وقد جاء في النصح « لقارون » ما يؤكد العمل للحياتين معا ، فإن الدنيا وسيلة للآخرة . وصحة الوسيلة ضمان لنجاح المقصد ، كما أن انتظام المقدمات مؤد إلى تحصيل النتيجة المطلوبة . ومن ثم تضمن إرشاد اللّه « لقارون » هذه المعاني كلها : وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ، وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ، وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ، وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ « 4 » . * * *
--> ( 1 ) محمد : 12 . ( 2 ) الحجر : 2 - 3 . ( 3 ) البقرة : 200 - 202 . ( 4 ) القصص : 77 .