محمد الغزالي
139
خلق المسلم
إن تاريخ الحياة من بدء الخلق إلى اليوم مؤسف ! ومن الحق أن يشق المرء طريقه في الحياة وهو موقن بأنه غاص بالأشواك والأقذاء . * * * وأما الحقيقة الأخرى فتتعلق بطبيعة الإيمان . فالإيمان صلة بين الإنسان وبين اللّه عزّ وجلّ . وإذا كانت صلات الصداقة بين الناس لا يعتد بها ولا ينوّه بشأنها إلا إذا أكدها مر الأيام ، وتقلب الليالي ، واختلاف الحوادث . فكذلك الإيمان ، لا بد أن تخضع صلته للابتلاء الذي يمحصها . فإما كشف عن طيبها ، وإما كشف عن زيفها . قال اللّه تعالى : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا ، وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ؟ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ « 1 » . ولا ريب في أن علم اللّه محيط بظواهر الأمور وبواطنها ، وأن هذا الامتحان لم يأت بجديد بالنسبة إلى الكشف الإلهي ، المستوعب للبدايات والنهايات ، غير أن الإنسان لا يحاسب على ما في علم اللّه بل حسابه على عمله الشخصي ، وإذا كان بعض المجرمين سينكرون ما اقترفوا من سيئات . فكيف تقام عليه الحجة إلا بامتحان تشهده جوارحهم ، وتنطق به أركانهم ؟ قال تعالى في هؤلاء : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا : أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ؟ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ . انْظُرْ : كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ « 2 » . فكيف يكتفى بحساب هؤلاء على مقتضى العلم الإلهي ؟ إن جزاءهم العدل لا يقضى به عليهم إلا من أعمالهم التي تثبت لهم ولغيرهم فسادهم وسوء صنيعهم . * * *
--> ( 1 ) العنكبوت : 2 - 3 . ( 2 ) الأنعام : 22 - 24 .