محمد الغزالي
12
خلق المسلم
إن رسول الإسلام لم يكتف بإجابة على سؤال عارض ، في الإبانة عن ارتباط الخلق بالإيمان الحق ، وارتباطه بالعبادة الصحيحة ، وجعله أساس الصلاح في الدنيا والنجاة في الأخرى . إن أمر الخلق أهم من ذلك ، ولا بد من إرشاد متصل ، ونصائح متتابعة ليرسخ في الأفئدة والأفكار ، أن الإيمان والصلاح والأخلاق ، عناصر متلازمة متماسكة ، لا يستطيع أحد تمزيق عراها . لقد سأل أصحابه يوما : « أتدرون من المفلس ؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، فقال : المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ، ويأتي وقد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ؛ فيعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه ، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ، ثم طرح في النار » « 1 » . ذلك هو المفلس : إنه كتاجر يملك في محله بضائع بألف ، وعليه ديون قدرها ألفان ، وكيف يعد هذا المسكين غنيا ؟ والمتدين الذي يباشر بعض العبادات ، ويبقى بعدها بادي الشر ، كالح الوجه ، قريب العدوان ، كيف يحسب امرأ تقيا ؟ . وقد روي أن النبي ضرب لهذه الحالات مثلا قريبا ، قال : « الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد ، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل » « 2 » . فإذا نمت الرذائل في النفس ، وفشا ضررها ، وتفاقم خطرها ، انسلخ المرء من دينه كما ينسلخ العريان من ثيابه ، وأصبح ادعاؤه للإيمان زورا ، فما قيمة دين بلا خلق ؟ وما معنى الإفساد مع الانتساب للّه ؟ . وتقريرا لهذه المبادئ الواضحة في صلة الإيمان بالخلق القويم ، يقول النبي الكريم : « ثلاث من كن فيه فهو منافق ، وإن صام وصلى وحج واعتمر ، وقال إني مسلم : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان » « 3 » .
--> ( 1 ) مسلم . ( 2 ) البيهقي . ( 3 ) مسلم .