محمد الغزالي
108
خلق المسلم
يألف مسالك النزاهة والاستقامة ، فإن الرجل الخرب الذمة أو الساقط المروءة لا قوة له ولو لبس جلود السباع ، ومشى في ركاب الملوك . وقد نصح اللّه قوم هود فأرشدهم إلى أسباب القوة الصحيحة ، وكانوا عمالقة جبارين ، فقال : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ . وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ « 1 » . وأراد رسول اللّه أن يزين الطاعات للناس ، وأن يغريهم بأدائها ، وأن يشرح لهم عظمة الإنسان عندما يفعل الخير ويراغم الشيطان ويسمو إلى الملأ الأعلى ، فضرب لهم هذا المثل في سياق حديث له . قال : « لما خلق اللّه الأرض جعلت تميد وتتكفأ فأرساها بالجبال فاستقرت . فتعجب الملائكة من شدة الجبال فقالت : يا ربنا هل خلقت خلقا أشد من الجبال ؟ قال : نعم الحديد . قالوا : فهل خلقت خلقا أشد من الحديد ؟ قال : نعم النار ، قالوا : فهل خلقت خلقا أشد من النار ؟ قال : نعم ، الماء ، قالوا : فهل خلقت خلقا أشد من الماء ؟ قال : نعم الريح ، قالوا : فهل خلقت خلقا أشد من الريح ؟ قال : نعم ، ابن آدم إذا تصدق صدقة بيمينه فأخفاها عن شماله ! » « 2 » . إن الإنسان ، هذا الكائن العجيب ، يعتبر سيدا لعناصر الكون كلها ، يوازن أعتاها وأقساها فيرجحه ويربو عليه ، يوم يكون شخصا فاضلا ، ولكنه يلعن في الأرض والسماء ويرجحه الذر والهباء يوم يكون شخصا ساقطا . والمثل الذي ذكره الحديث ليس إلّا إبرازا لقيمة الرجل المحسن وتصويرا لرسوخه وشموخه عندما يسبق في ميدان الخير . ومن عناصر القوة أن يكون المسلم صريحا ، يواجه الناس بقلب مفتوح ومبادئ معروفة ، لا يصانع على حساب الحق بما يغض من كرامته وكرامة أنصاره . بل يجعل قوته من قوة العقيدة التي يمثلها ويعيش لها ، ولا يحيد عن هذه الصراحة أبدا في تقرير حقيقة ما . حدث أن كسفت الشمس على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم مات ابنه
--> ( 1 ) هود : 52 . ( 2 ) الترمذي .