السيد حسن القبانچي

58

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

وهكذا نجد أن الفن الذي يسبغه الإنسان على الجماد بنحت الصخر وحرق التراب ليقيم لبنات للبناء والإعمار ، هذا الفن إنما يقوم على إحسان الإنسان للجماد بتطويره من عالم الخام المهمل إلى عالم الفن المنتج ، وعلى خضوع الجماد للإنسان بتضحيته فيما يتحمل من مشاق النحت والإحراق ، بين يدي الخلود القائم على سنن التطور من القبيح إلى الحسن ثم من الحسن إلى الأحسن ، هكذا تتبادل عناصر الحياة ، بين جمودها وحركتها ، جمال التطور والتجدد ، وجلال البقاء والخلود ، وهكذا تتحقق آخر الأمر ، على حساب هذا التبادل ، عناصر الحياة التي يتقوم بها ذلك الخلود ، فالإنسان يحسن للجماد في سبيل حياته ، والجماد يخضع للإنسان في سبيل حياته ، وهذه الحياة هي العمود الفقري لقوام الكون وبقائه . بهذا يتحقق تعليل وتحليل الفقرتين : الأولى والثانية من قول الإمام . وأما الفقرة الثانية فتشير إلى أن استغناء أي عضو عن أي عضو من العناصر التي يتقوم بها الحيوان والجماد ، الاستغناء يفضي إلى الاستقلال الفردي الذي يفضي إلى الاستقلال النوعي ، وبذلك يتلاشى تضامن العناصر الساكنة والمتحركة من مقومات الوجود ، إذ ثبت من تحليل الفقرتين - اللتين تكتنفان هذه الفقرة التي نحن بصدد البحث فيها - ضرورة التضامن بين الحيوان والجماد . يقرر الإمام عليه السّلام في هذه الجمل الحكيمة أمرا واقعا في حياة الإنسان ، وقد قبس هذا من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حيث قال : « اليد العليا خير من اليد السفلى » يعني بذلك أن المعطي في سبيل اللّه خير من المعطى . وفي الكتاب العزيز قوله تعالى : وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ « 1 » أي إن التفاوت في الناس بين الفضل والنقص طبيعي في الإنسان ، وقد فضل اللّه المجاهدين على القاعدين ولو كانوا معذورين في قعودهم ، وفضل اللّه المؤمنين على المسلمين ولو أدى هؤلاء واجبهم نحو اللّه ولكنهم لم يؤثروا على أنفسهم أحدا ولم يطعموا الطعام وهم جياع . من هنا نصل إلى أن العقل لا ينكر على الإمام قوله : « أحسن إلى من شئت ، تكن أميره » في أن إكرام الغني أو القوي أو العالم أو العامل أو الفقير أو الضعيف أو الجاهل أو العاجز عن العمل ، يخوله السيادة والإمارة عليه ، بينما يقول الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الناس

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، الآية 165 .