السيد حسن القبانچي

32

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

يفيده ما نقله إليه إلا بنسيان أبواب ما نقله عنه ، ومتى رجع به إلى الأمر الأول وجده فيه أسوأ حالا ممّا نقله إليه . ولا ينبغي أن يكون نكير الإنسان على الخادم ، إذا أراد الإنكار عليه صرفه عنه ، فإن ذلك من دلائل ضيق الصدر وقلة الصبر ، لأنه إذا صرفه احتاج إلى غيره بدلا منه وخلفا عنه ، وغيره مثله أو قريب منه . وإذا استمرت به هذه العادة أوشك أن يبقى بلا خادم ، بل ينبغي له أن يقرر في قلوب خدمه أن أحدا منهم لا يجد إلى مفارقة منزله والخروج عن داره وكنفه سبيلا ، فإن ذلك أتم للمروءة وأدل على الوقار والكرم . ثم إن الخادم لا يناصح ولا يشفق ولا يحامي ما لم يتحقق عنده ، ويصح لديه أنه شريك صاحبه في نعمته ، حتى يأمن العزل ولا يحذر الصرف ، ومتى ظن أن أساس حرمته غير واطدة ووشائج ذمامه غير راسخة عند الذنب ، كان مقامه على صاحبه كعابر سبيل ، فلا يعنى بما عناه ، ولا يهتم بما عراه ، ولم يكن همه إلا ذخيرة يعدها ليوم جفوة صاحبه ، ومتاعا يرجع إليه عند نبوته وازورار جانبه . وليكن عند المخدوم لخدمه دون صرفهم وإخراجهم منازل من الاستصلاح والتقويم ، فمن استقام له بالتأديب عوجه واعتدل أوده فليشدّ عليه يدا ، ويوسعه عند الزلة عفوا ، ومن راجع الذنب بعد التوبة ونقض العهد بعد الإنابة فليذقه طرفا من العقوبة ، وليمسه بعض السطوة ، ولا ييأس من رشده ما لم تنحل عقدة حياته ، ومن عصاه معصية صلعاء أو جنى جناية شنعاء لا بقيا معها ولا في شرط السياسة اغتفارها ، فالرأي للمخدوم البدار إلى الخلاص ، وإلا أفسد عليه سائر الخدم . وصفوة القول : إن الخدم هم المساعدون على الأعمال والمذللون طرقها والمعاونون على إنجازها . والوسيلة إلى إخلاصهم في الخدمة وتأديتها على أكمل وجه ، معاملة مخدومهم إياهم بما يكفل لهم الخير ، وهذه المعاملة تتلخص فيما يأتي : ( 1 ) تعيين لعمل المكلفين بالخدمة القيام به بشرط أن يكون في طاقتهم . ( 2 ) إرشادهم إلى طريقة العمل المرضية ومراقبتهم حتى التنفيذ . ( 3 ) شكرهم عند الإحسان وتعنيفهم عند التقصير . ( 4 ) معاملتهم بالرفق واللين والعدل والإحسان . ( 5 ) نقدهم الأجر كاملا في زمنه المحدود ، وإعطاؤهم من حين إلى آخر ما تيسر زائدا على راتبهم ، تشجيعا لهم على الإخلاص في العمل .