السيد حسن القبانچي
8
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )
العروة الوثقى التي لا تنفصم ، متطلعة إلى الأعلى ، وهي مستقرة على الأرض ، وإذا العمل بها عبادة متى توجه الإنسان به إلى اللّه ، ولو كان هذا العمل متاعا واستمتاعا بالحياة . إنها ( رسالة ) تهدي للتي هي أقوم : في علاقات الناس بعضهم ببعض ، أفرادا وأزواجا ، وحكومات وشعوبا ، ودولا وأجناسا ، تقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي والهوى ، ولا تميل مع المودة والشنآن ، ولا تصرفها المصالح والأغراض . إنها ( رسالة ) تهدي للتي هي أقوم : في عالم الضمير والشعور بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض ، والتي تطلق الروح من عقال الوهم والخرافة ، وتوجه الطاقات البشرية الصالحة إلى العمل والبناء ، وتربط بين نواميس الكون والطبيعة ونواميس الفطرة البشرية في تناسق واتساق . وإذن هي سياج حقوقنا كلها ، بل هي من أهم أركان الرقي والعمران والقانون . إنها لنور العدل في الملك ، ونور الإيمان في الدين ، ونور الصدق في العمل ، ونور الحياة الحقة في الأمة . وحسبها قيمة أن غارس بذرتها نبعة شجرة النبوة ، وغذي وحي الرسالة وعنصر الرحمة ، ومعدن العلم والحكمة . أجل إن تعاليم الإمام عليه السّلام ودروسه النيرة لا تنحصر في هذه الرسالة فحسب ، فالمجال متسع للعارف الذي قدّر له شيء من الفراغ أن يملأه بنشر ما تركه للإنسانية من تراث خالد ، بل لو أراد أن يفكر ويطيل التفكير في أدعيته - المعبر عنها بزبور آل محمد - وكلامه الذي كان يناجي به خالق الكائنات ، لاستطاع أن يقتبس ما شاء ومتى شاء من أنواره التي لا تبلغ إلى نهاية ولا تحد بلفظ . وأرى من صالح الإنسانية أجمع أن أتحدث عن شيء قصير من حكمياته وعظاته ، ليبرز الإنسان نفسه على سجيتها ويعرف واقع الحياة وحقيقتها . وأي شيء أفضل من التحدث بدروس الإمام عليه السّلام وتوجيهاته ، وأي علم أجدر وأنفع من علومه وعظاته ؟ ! إنها تذكر باللّه وتبعث على طاعته ، والبعد عن معصيته . إنها كالغيث تحيي