السيد حسن القبانچي
74
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )
بالخطاب بقوله : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً « 1 » كان الجدير أن تعصم من الرذائل المزرية بها . ولعل العجب يأخذك إذا قلت لك إن الإنسان يظلم نفسه أكثر مما يظلم غيره ، لأن كل إنسان يحس ويحسب أن نفسه أحب إليه من غيره ، ولا أرى أحدا يقرّ بأنه عدوّ نفسه ، لكنك إذا تدبرت هذا الأمر قليلا تبينت لك حقيقته . من أبرز مواطن الضعف التي فطر عليها الإنسان ، أنه إذا غلبته شهوة من الشهوات انقاد لها كل الانقياد ، لا يبالي بما يصاب لأجلها من الضرر في نفسه سواء أكان يشعر بذلك أو لا يشعر . ترى رجلا قد افتتن بالسكر ، يعمى في سبيله ويتحمل لأجله المضرات الفادحة في صحته ونفسه وماله وعرضه . وترى رجلا غيره قد أولع بلذة الطعام يأكل كل ما يجد من نافع أو غير نافع ، ويعرض نفسه للهلاك في سبيله . وترى رجلا ثالثا صار عبدا لشهواته النفسية ، يأتي بأعمال تجره إلى الهلاك جرا . وترى رجلا رابعا قد أهمته نجاة نفسه ، فانقطع إلى تزكيتها وترقيتها يناصب نفسه العداء ، ويريد أن يدوس كل ما تتطلع إليه من اللذائذ والشهوات ، ويأبى أن يحقق حاجاتها ، ويجتنب الزواج ، ويأنف الأكل والشراب ، ويجانف اللباس ويبغضه ، حتى أنه لا يكاد يرضى بالتنفس في هذه الدنيا المليئة بالمآثم في نظره ، فيأوي إلى الغابات والكهوف ، ويظن أن هذه الدنيا ما بنيت له . هذه أمثلة قليلة لتطرف الإنسان في هذه الدنيا ، وإلا ففي حياته صور عديدة لهذا التطرف نشاهدها بين كل آونة وأخرى . وبما أن الشريعة الإسلامية تريد فلاح الإنسان وسعادته ، فهي تنبهه إلى الحقيقة الثابتة . وتنبهه بأن للنفس حقا كما جاء في قول الإمام عليه السّلام : « إن لنفسك عليك حقا » . فهي تمنعه عن كل شيء يضره ، كالخمر والحشيش والأفيون وغيرها من الأشياء المسكرة . وعن الميتة والدم ولحم الخنزير وغيره من الوحوش الضارية والحيوانات النجسة . فإن لهذه الأشياء كلها تأثيرا سيئا في صحة الإنسان وأخلاقه وقواه العقلية والروحية . وتحل له بدلا منها الأشياء المفيدة الطيبة ، وتقول له لا تحرم نفسك من التمتع بها فإن لجسدك عليك حقا وهي تنهاه عن العري ، وتأمره أن يتمتع بما قد أنزل اللّه
--> ( 1 ) سورة الفجر ، الآية 28 .