السيد حسن القبانچي

68

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

هل حدوث الروح قبل الجسد أنكر فريق من الحكماء والمتكلمين حدوث الروح قبل الجسد ، زاعمين أن حدوثها مع حدوث الأجساد . وسيمرّ عليك تصحيحه من طريقي العقل والسماع الديني . قال العلامة الشيخ محمد جواد الجزائري رحمه اللّه : « هذا شروع في تصحيح مسألة وجود الأرواح قبل الأبدان من طريق النظر والقياس » . وقد صححناها من طريق الأصل الشهير بين الحكماء بقاعدة إمكان الأشرف المبني على أساس امتناع صدور الكثرة عن الواحد ، ومفاده أن الممكن الأشرف يجب أن يكون أقدم في مراتب الوجود من الممكن الأخس ، وأنه إذا وجد الممكن الأخس فلا بد أن يكون الممكن الأشرف منه قد وجد قبله . ومن الواضح انطباق ذلك على مسألتنا ، لأن نشأة النفس الناطقة قبل البدن وفي مطاوي الغيب أقدم صدورا من المبدأ الأول وأقرب إليه من نشأتها الطبيعية ، وأبعد عن المادة العنصرية ونقائصها وقصوراتها ، فهي أشرف وأقوى وجودا . ولما كانت ممكنة ( لما عرفت ) وجب حصولها قبل الأخص ، وإن شئت قلت النفس الكاملة في التجرد أشرف ذاتا وأقوى وجودا من النفس المجردة المتعلقة بالبدن ، لأنها أبعد عن نقائص المادة وقصوراتها وأقدم صدورا من المبدأ الأول . فإذا وجدت الثانية وقد أمكنت الأولى وجب حصولها قبلها . وحاصل ما ذكره الحكماء من البرهان على هذا الأصل مع زيادة إيضاح : أنه لو وجد الأخس ولم يوجد الممكن الأشرف قبله ، تمحل الأمر ولزم إما خلاف المقدر أو جواز صدور الكثير عن الواحد ، أو الأشرف عن الأخس أو وجود جهة أشرف مما عليه المبدأ الأول ، لأن وجود الأخس إن كان بواسطة لزم الأول ، للزوم كون العلة أشرف من المعلول وأقوى ، وإن كان بغير واسطة وجاز صدور الأشرف عن المبدأ الأول لزم الثاني ، لامتناع صدوره بواسطة الأخس لما تقدم ، - وإن جاز عن معلوله لزم الثالث لانحصار الواسطة في الأخس - وإن لم يجز صدوره عنهما لزم الرابع لفرض إمكانه ، والممكن لا يلزم من فرض تحققه محال ، وإلا لم يكن ممكنا وهو خلاف الفرض . فإذا فرض وجوده وليس بصادر فرضا عن المبدأ الأول ، ولا عن معلولاته