السيد حسن القبانچي

62

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

ومن هنا كانت هي الفاعل حقيقة ، وكان الجسم آلة وأداة لا غير ، تماما كما هي الحال في النجار وآلاته ، والفرق بينهما : أن تعلق النفس بالبدن طبيعي ذاتي ، وتعلق النجار بآلاته عرضي خارجي . وبهذا يتبين معنا أن تعلق النفس بالبدن تعلق التدبير والتصرف من غير أن تكون جزءا منها ، أو يكونا جزأين لكل . أما القول الشائع من أن الإنسان مركب من جسم وروح فلا يحمل على حقيقته ، وإنما المراد منه أن للإنسان روحا قائمة بذاتها ، وتعرف بآثارها ، كما أن له جسما نعرفه بالمشاهدة والعيان . مع الماديين ثانية . أشرنا في فصل ( تجريد النفس ) إلى قول الماديين ، وذكرنا ما يرد على قولهم من المحاذير ، والأدلة التي تثبت وجود النفس وتجردها عن المادة ونعود الآن لنستقبل آراءهم مرة ثانية ، ونشير إلى ما فيها بتجرد ليكون المشايعون لهم على بينة من أخطائهم وأوهامهم . قال ( هوبس وهيوم ) ، وغيرهما من أئمة الماديين وأقطابهم : « إن الإدراك ينشأ من حركة ذرات الجسم » . ومعنى هذا أن كل فكرة أيا كان نوعها فهي وليدة تجمع الذرات وجذبها ودفعها ، واستدلوا بأنه لو حصل مانع من تجمع هذه الذرات وتركيبها وتفاعلها لذهب الفكر أو اضطرب ، كالراديو لا يلتقط الصوت إذا عطب ، ووقع فيه أدنى خلل . وهذا الدليل هو العمدة ، وما عداه يرجع إليه ، أو أضعف منه . الجواب : أولا : إننا نتساءل لماذا تخطر للعالم أفكار نافعة دون الجاهل ، مع أن تفاعل الذرات متحقق في الدماغين ؟ ! ثم لماذا يحتاج اكتشاف النظريات إلى تفكير عميق ، وانتباه حاد ، وبراعة في التحليل ، وانصراف عن كل شاغل مع أن تجمع الذرات وتفاعلها ، والجهاز العصبي هو هو لم يطرأ عليه شيء في جميع الحالات ، ولو كان هو الأصل للتفكير لما احتاج الأمر ، إلى ذلك ، ولما اختلفت حال عن حال ؟ ! . وبعد هذا التساؤل نجيب بأن تأثير الأفكار والشعور على البدن أقوى بكثير من تأثير البدن على الفكر ، فلقد رأينا أن المجهود العقلي ، والتفكير المتواصل يضعف الأعضاء وتسوء معه الصحة . قال الأطباء : إن العمل العقلي مع الجهد قد يؤدي إلى تعطيل الدفاع ، أو اضطرابه ، وذلك بتوارد الدم إليه ، ورأينا أن للحزن والخوف تأثيرا كبيرا على البدن ،