السيد حسن القبانچي
57
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )
وإذن ، فالعلم بالنفس يقدم على كل علم ، كما أن الجهل بها يذهب بثمار كل معرفة . أو ليست النفس مبعث وملتقى الإيحاء بالرفعة أو الضعة ، والاقتدار أو العجز ، والخير أو الشر ، والإيمان أو الكفر ، في وقت واحد في شخصية واحدة وهل تطيب للإنسان حياة إذا فقدت نفسه ألفتها وانسجامها ، فاضطربت وتبلبلت ؟ وهل يصفو له عيش إلا إذا صحت نفسه فتوازنت وهدأت واطمأنت ؟ . حقا إن بين النفس والجسد ، لتقابل وتكافؤ في التأثير المتبادلين - قوة وضعفا ، وصحة ومرضا - ولكن أشدهما سيطرة ، وأعظمهما تأثيرا في الحالين ، هي النفس دون الجسد . فإذا انسجما - النفس والجسد - وتعاونا ، صلحت الحياة ، واستقامت الصحة وحسنت الأخلاق ، وإن اضطربا وتنافرا ، اضطرب كل شيء في الحياة . والعبرة في كل ذلك ، بدراسة النفس ، ثم بحسن سياستها وعرفان نزعاتها وما فيها من مواضع القوة ومواضع الضعف ، لا سيما وإن فقه الإنسان أحوال نفسه وأنفس المحيطين به ، من أهل بيئته ومن معاشريه . وقد صنع سقراط حسنا ، إذ بنى فلسفته على الحكمة الذهبية القائلة : « اعرف نفسك » معتبرا إياها وحيا سماويا . وللنفس عند أئمة التصوف الشأن الأكبر - في سلوكهم ، وفي تربية تلاميذهم ، وفي سائر علومهم ومعارفهم وأحوالهم ومقاماتهم - وهي عندهم حجر الزاوية في الموضوع ، والمصباح الذي يضيء لهم سبيل الوصول إلى اللّه ، أو الحجاب الأعظم الذي يحجب عن الوصول إليه . وأما في التعاليم الدينية ، فلها المكان الأول ، وهي والقلب في تعبير تلك التعاليم معنيان مترادفان . وأما تعريف النفس . ولنسمها الذات ، لأن ذلك اسمها العلمي ، فهو من معضلات المسائل بعد ذات اللّه وحقيقة الوجود ، والكلام فيها سرّ من الأسرار التي لا تتحملها كل العقول . وقد يعبّر عنها في لغة الدين : بالقلب كما تقدم ، أو بالروح . وفي الفلسفة : بالنفس أو الذات ، وهكذا يسميها علم النفس ، لأنه وليد الفلسفة . وهي عند الجميع : مقومة الحياة ، ومصدر الكفايات ، كالوجدان ، والوعي ، والإدراك العقلي والحسي .