السيد حسن القبانچي

47

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

وإن في الإسلام عاملا نفسانيا للقضاء على الخوف ، وهو ما أمر به من التوكل على اللّه وتفويض الأمر إليه ، وقرنه بالعبادة التي خلق اللّه الناس لأجلها قال اللّه تعالى : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ « 1 » . والتوكل أثر من آثار الإيمان ، فالذي يؤمن بأن اللّه بيده تصاريف الحياة ، وبيده النفع والضر ، يترك الأمر إليه ويرضى بمشيئة اللّه ، فلا يفزعه المستقبل وما يخبئه له من مفاجآت ، ويستعيض عن الخوف بسكينة واطمئنان إلى عدل اللّه ورحمته ، ولهذا يقرر الإسلام بأن الإيمان يجب أن يصاحبه التوكل وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « 2 » . اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ « 3 » . والإسلام يحمل البشرى للمتوكلين ، ويعدهم الفضل من اللّه ونيل بركاته انظر إلى هذه الآية الكريمة التي تمسح ما في نفوس المؤمنين من الخوف ، وتمدهم بقوة روحية يستطيعون بها التغلب على خوفهم وقلقهم ، فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ « 4 » . وورد في القرآن أيضا آية أخرى تحمل الوعد الصادق بالمعونة والتأييد من اللّه ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ « 5 » أي كافية مما أهمه ومما أحزنه . وهناك فئات من الناس في حاجة إلى التوكل أكثر من حاجة غيرهم ، وهم المصلحون الذين يجتازون دائما الطريق المملوء بالأشواك ، ويكونون عرضة للأذى والتعب المضني ، هؤلاء يعلّمهم اللّه أن يفوضوا أمرهم إليه حتى لا يثبط الفشل همتهم ، ويأمرهم أن يقتدوا بنبيه شعيب الذي قال : إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ « 6 » . ولكن هناك شبهة يمكن أن تتبادر إلى الأذهان ، بأن التوكل يضعف الهمة للعمل ويؤدي إلى الكسل . هذه الشبهة عالجها القرآن ودحضها في هذه الآية : وَشاوِرْهُمْ فِي

--> ( 1 ) سورة هود ، الآية 123 . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية 23 . ( 3 ) سورة التغابن ، الآية 13 . ( 4 ) سورة الشورى ، الآية 36 . ( 5 ) سورة الطلاق ، الآية 3 . ( 6 ) سورة هود ، الآية 88 .