السيد حسن القبانچي

39

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

حقيقة العبادة هذا هو الطرف الآخر لحقيقة العبادة ، المفجرة لينابيع الخير المرهفة للضمير والتي تربط القلوب باللّه وتقترب منه وتتصل به ، ومتى اتصل الإنسان بربه بعدت خطواته عن خطوات الشيطان ، واستحيا أن يغضب اللّه بعمل وهو يلقاه ، واستقام على الطريقة ، ووجد فيها هداه . * * * العبادة ضرب من الشكر وغاية فيه ، لأنها الخضوع والتذلل ، تدل على أعلى مراتب التعظيم . ولا يستحقها أحد إلا بإعطاء أصول النعم ، من خلق الحياة والقدرة ، والحس والشهوة ، ولا يقدر عليه أحد إلا اللّه ، فلذلك اختص سبحانه بأن يعبد . ولا تجوز العبادة لغيره ، بخلاف الطاعة ، فإنها قد تحسن لغيره ، كطاعة الأب والمولى والسلطان والزوج . فمن قال إن العبادة هي الطاعة ، فقد أخطأ ، لأنها غاية التذلل ، دون الطاعة فإنها مجرد موافقة الأمر . ألا ترى أن العبد يطيع مولاه ولا يكون عابدا ، والكفار يعبدون الأصنام ولا يكونون مطيعين ، إذ لا يتصور من جهتهم الأمر . فمستحق العبادة هو اللّه جلت عظمته ، منحصرة فيه ومختصة به ، وحق من حقوقه . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « يا معاذ تدري ما حق اللّه على العباد ؟ قلت : اللّه ورسوله أعلم ، قال : فإن حق اللّه على العباد أن يعبدوا اللّه ولا يشركوا به شيئا . وحق العباد على اللّه عز وجل أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا » . وهذا الحق باق ما بقي في الإنسان نفس يتردد . يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ « 1 » .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية 21 .