السيد حسن القبانچي

16

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

وقد تشير إلى البهيمة العجماء فتنقاد إليك لا تدري إلى مرتعها أم إلى مصرعها . تلك أنواع من الطاعات بعيدة عن معنى العبادة التي شرع اللّه للناس . فالعبادة التي أجراها اللّه على الألسنة في الآية الكريمة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ « 1 » ، والتي جعلها حكمة الوجود وغاية الأحياء في قوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 2 » تعني الخضوع المقرون بالمعرفة والمحبة . أي الناشئ عن الإعجاب بالعظمة والعرفان للجميل . . . إن العبادة شعور مكتمل العناصر ، يبدأ بالمعرفة العقلية ، ثم بالانفعال الوجداني ، ثم بالنزوع السلوكي . فالصورة الأخيرة ثمرة ما قبلها . وهذا هو الوضع الصحيح لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وإحسان الخلق وقول الحق . وسائر العبادات الأخرى . إن العبادة الأولى في الإسلام ، هي معرفة اللّه معرفة صحيحة ، والعقل المستنير بهذه المعرفة ، هو القائد الواعي لكل سلوك صحيح ، والأساس المكين لكل معاملة متقبلة . ويوم تتلاشى هذه المعرفة من لب الإنسان ، فلن يصح له دين ، ولن تقوم له فضيلة . المعرفة الصحيحة للّه تهوّن من قيمة الأخطاء التي يتورط فيها المرء ، إذا كانت أخطاء عارضة ، أو خدوش سطحية . أما الجهل باللّه ، فهو الخطيئة التي لا تغتفر ، ولا يصلح معها عمل . ومن ثم يقول اللّه تعالى في كتابه : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً « 3 » . ذلك أن الشرك دلالة جهل غليظ باللّه عز وجل . وقد اطردت آيات القرآن تبني سلوك الناس على المعرفة باللّه ، وتريهم صحائف مشرقة من خلقه البديع وفضله الجزيل . وتمزق ما نسجته الغفلة على الأعين من جهالة وجحود .

--> ( 1 ) سورة الفاتحة ، الآية 5 . ( 2 ) سورة الذاريات ، الآية 56 . ( 3 ) سورة النساء ، الآية 116 .