السيد حسن الحسيني الشيرازي
68
موسوعة الكلمة
فإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم أمه إلى ثديها وانقلب الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء وهو أشدّ موافقة للمولود من الدم فيوافيه في وقت حاجته إليه ، فحين يولد قد تلمظ « 1 » وحرّك شفتيه طلبا للرضاع ، فهو يجد ثدي أمه كالإداوتين « 2 » المعلّقتين لحاجته فلا يزال يتغذّى باللبن ، ما دام رطب البدن رقيق الأمعاء لين الأعضاء ، حتّى إذا تحرّك ، واحتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتدّ ويقوى بدنه ، طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس ليمضغ بها الطعام ، فيلين عليه ، ويسهل له إساغته ، فلا يزال كذلك حتى يدرك ، فإذا أدرك وكان ذكرا طلع الشعر في وجهه ، فكان ذلك علامة الذكر ، وعزّ الرجل الذي يخرج به من جدة الصبا وشبه النساء ، وإن كانت أنثى يبقى وجهها نقيا من الشعر ، لتبقى لها البهجة ، والنضارة التي تحرّك الرجل لما فيه دوام النسل وبقاؤه . الاعتبار بخلق الإنسان اعتبر يا مفضّل فيما يدبّر به الإنسان في هذه الأحوال المختلفة ، هل ترى مثله يمكن أن يكون بالإهمال ؟ أفرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم وهو في الرحم ، ألم يكن سيذوي ويجفّ كما يجفّ النبات إذا فقد الماء ، ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه ألم يكن سيبقى في الرحم كالموؤد في الأرض ؟ ولو لم يوافقه اللبن مع ولادته ألم يكن سيموت جوعا أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ، ولا يصلح عليه بدنه ، ولو لم تطلع له الأسنان في وقتها ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإساغته ، أو يقيمه على الرضاع فلا يشتدّ بدنه ولا يصلح لعمل ؟ ثم كان يشغل أمه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد .
--> ( 1 ) تلمظ : إذا أخرج لسانه فمسح به شفتيه . ( 2 ) الإداوة : بكسر ففتح ، إناء صغير من جلد يتّخذ للماء ، جمعه أداوي .