السيد حسن الحسيني الشيرازي

14

موسوعة الكلمة

العصور لم تزده إلا فتنة وروعة ، كالدّر الذي كلّما تكرّر عليه الجديدان ، ازداد جدّة ورواء . فهو الطارف التليد ، الذي يجمع الذوق القديم والجديد ، في إطار لولاه لكنّا نشكّ في وجود مثل هذا الإطار ، فهو أقدم مدرسة وأحدث مدرسة . وأعجب من ذلك : أن يعيش أدب الرسول صلّى اللّه عليه واله وسلّم قمّة البلاغة ، في مختلف العصور ، التي تطوّرت فيها مقاييس البلاغة إلى حدّ التناقض ، فتحسبه في كلّ يوم وليد يومه ، حتى كأنه البدر ، الذي لا يغيره اختلاف الفصول . وبهذه الميزة ، كان أدب النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم نواة مدرسة أدبيّة ، شاء جميع الأدباء أن يتخرّجوا عليها ، وإن لم يستطيعوا التخلّص من رواسب أنفسهم ، فانعكست أشعّتها على كلّ أديب بمقدار صفاء جوهره ، واقتبس منها كلّ بمقدار قدرته على الاقتباس . كالشمس التي تجري لمستقر لها ، فتكتسب منها الأقمار أنوارها ، بقدر طاقتها على الاكتساب ، وتستوحي منها مقاييسها الأرض والفضاء ، دون أن ترضخ هي لمقياس في الأرض أو الفضاء . وحتى دون أن تنعطف إلى ما ورائها ، لترى ما يدور حولها وما يقدّر لها من مقاييس وحسبان ، وإنّما تدأب في مجراها الطويل ، ونحو هدفها العظيم ، بقوّة واندفاع ، وهي تعرف الأمام ولا تعرف الوراء . ولعلّ من أبرز مظاهر البلاغة في أدب النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم موافقة كلامه لمقتضى الحال ، فإنشاؤه تامّ الانسجام بين ألفاظه ومعانيه وأغراضه ، بحيث يشتدّ في مقارعة المجرمين والمراوغين حتى تشفق منه على