السيد حسن الحسيني الشيرازي
10
موسوعة الكلمة
غير أن هذا القدر اليسير اليسير ، الذي وصل إلينا عبر الطوفان هو أضخم رصيد ورثته الإنسانيّة من مصادر الفكر والإلهام ، بحيث لو تمزّقت دونه الستائر ، لشعّ حتى لم تبق على الأرض قطعة من ظلام . ومن الطبيعي أن يكون النبي الأكرم صلّى اللّه عليه واله وسلّم أغنى مصادر النور ، فهو أعلى القمم البشريّة ، الذي لم تطمح إلى مطاولته العبقريات في لحظات جنون الكبرياء ، ومتى يطال إنسان تبلور حتى خشعت له غرر الملائكة ، وانتجبه الله - بجدارة - سيّد أنبيائه ، وأقرب عباده إليه ، ثمّ منحه رسالة السماء الكاملة ، التي لم يؤثر بها مائة وأربعة وعشرين ألفا من الأنبياء ، وخوّله قيادة البشر حتى الأبد ، فإذا هو خاتم أقفلت بعده السماء . وإذا أمّته خير أمّة أخرجت للناس . والرسول الأعظم صلّى اللّه عليه واله وسلّم إنسان تبرعم عن قلب الصحراء مع البراعم التي تتفتّق تحت أنداء الفجر ، والرمال التي تتبلور على وهج الشمس ، والرياح التي تثور لتسوّي الكثبان والوهاد ، حيث ينتحر التكلّف ، فتعيش الطبيعة أقصى انطلاقاتها ، وتبلغ الفطرة أوج نضجها ، فإذا بصلابة الجلاميد ، تشدّ على أعصاب التهاميّ ، وإذا بوميض البروق يضطرب في عينيه ، وإذا بلهيب الهجير يجري في عروقه ، وإذا برسالة السماء تنطلق على لسانه ، وإذا بالأميّ يدوّي بصوت يكرّس كلّ ما في السماء من خير ونور ، فيصوغ من شعب الجاهليّة شعب المعجزات ، وإذا بالبدو الرّحّل ينتشرون في أرجاء العالم لقيادة الشعوب ، فيمتدون بصوته في كلّ اتجاه ، حتى يغرقوا فيه كلّ عرش وتاج ، وإذا بظلّ اليتيم يحوم بأجنحته العريضة في الآفاق ، فيكتنف مطلّ الشمس ، لينتعش تحته الضعفاء ، ويتهافت الجبّارون .