محمد عبد الله دراز

91

دستور الأخلاق في القرآن

وهكذا يفارق التّعليم القرآنيّ الفلسفيّ ، سواء في المصادر ، أو في المناهج . فهل هما يتفاوتان كذلك في موضوعهما ؟ وفي هدفهما ؟ . إنّ القول بهذا معناه أننا نقرر - بعلم أو بلا شعور - أنّ القرآن ليس كتاب دين ؛ ذلك أنّه مهما تكن الفروق بين الفلسفة والدّين - والّتي تتمثل في أنّ الأولى ، تستمد منبعها من ارتياب العقل ، على حين أنّ الدّين يستمده من الضّوء الكامل للوحي ؛ أو أنّ كليهما قد ينقاد أحيانا « 1 » وراء سراب النّخيل ، وأنّ أحدهما ( وهو الفلسفة ) ليس سوى معرفة محضة ، وبسيطة ، والآخر اقتناع عميق ، مؤثر ، وأخّاذ - مهما تكن الفروق بينهما فإنّ الفلسفة في جانبها الأسمى ، وللدين في جميع أشكاله ، هو : حلّ مشكلة الوجود ، أصله ومصيره ، وتحديد الطّريقة الحكيمة ، والمثلى للسلوك ، ولتحصيل السّعادة . بيد أنّ أفضل ما يدل على التّشابه بين المادة القرآنية بخاصة ، وبين الفلسفة - أن نلحظ أنّ القرآن حين يعرض نظريته عن عمق ، وعن الفضيلة لا يكتفي دائما بأن يذكّر بهما العقل ، ويثير أمرهما باستمرار أمام التّفكر والتّأمل ، وإنّما يتولى هو بنفسه التّدليل على ما يقدم ، ويتولى تسويغه . وفضلا عن ذلك ، فإنّ طبيعة استدلالاته ، والطّريقة الّتي يسوق بها الدّليل ؛ قد اختبرت كلتاهما على وجه يقحم أعظم الفلاسفة دقة ، وأشد المناطقة صرامة ، في الوقت الّذي تلبى فيه أكثر المطالب واقعية ، كما تروق أرقى الأذواق الشّعرية وأرقها ، وأبسط المدارك وأقلها .

--> ( 1 ) نحن نتحدث هنا عن الدّين بعامة ، لا عن الأديان المنزلة .