محمد عبد الله دراز

80

دستور الأخلاق في القرآن

المسلمين ، أو المستشرقين ، لا من النّاحية النّظرية ، ولا من النّاحية العملية . ونحسب أنّ من الواجب أن نضيف بعض التّحديد إلى هذا التّأكيد المزدوج ، ليصبح أكثر دقة ، ويخلص من كلّ لبس ، أو غموض . ولسنا ندّعي ابتداء أنّ بحوثنا في المجال النّظري تخوض في أرض لم يرتدها أحد قبلنا ، فإنّ العلماء المسلمين قد أعملوا قرائحهم منذ عهد مبكر في هذا الموضوع : علماء الكلام ، وعلماء الأصول ، فكروا جميعا في مقياس الخير والشّر ، ( أو بحسب تعبيرهم : مسألة الحسن والقبح ) « 1 » ، وفكر الفقهاء في شروط المسؤولية ، وفكر الأخلاقيون ، والصّوفية في فاعلية الجهد ، وإخلاص النّيّة والقصد . ولكنا إذا صرفنا النّظر عن أنّ هذه الأفكار قد بقيت متناثرة في مختلف المذاهب الّتي تمسّ الأخلاقية من قريب أو من بعيد ، والّتي لم تعن دائما بوجهة النّظر الأخلاقية بمفهومها الخاص - فإنّ النّظرية الأخلاقية الّتي يقدمها هؤلاء تصدر في جانب كبير منها - على الأقل - عن روح المذهب الّذي ينتمي إليه مؤلفوها ، إن لم تكن من محض نظراتهم الشّخصية ، لأنّ القرآن لا يرد ذكره فيها إلا بصفة مكملة ، شاهدا ، أو برهانا على فكرة ، أو أخرى سبق الأخذ بها . وأمّا في المجال العملي فمن الحقّ أنّ الغزالي - كما نعلم - قد حاول في كتابه « جواهر القرآن » « 2 » - أن يحلل جوهر القرآن ، وأن يرده إلى عنصرين أساسيين ،

--> ( 1 ) هنالك نزاع بين العلماء في أنّ الحسن والقبح عقليان كما عليه العدلية ، أم شرعيان كما عليه الأشاعرة ، فراجع . ( 2 ) كتاب جواهر القرآن لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي الطّوسي ( ت 505 ه ) كما جاء في كشف الظّنون : 1 / 616 ، كشف الحجب والأستار : 44 .