محمد عبد الله دراز
68
دستور الأخلاق في القرآن
إنّ أكبر خطأ وقع فيه دعاة الثّورة الاشتراكية في الوطن العربي أنّهم تصوروا الثّورة وصفة طبية ، تقتبس من أصحابها ، ليتعاطاها المجتمع المريض في أي زمان ، ومكان ؛ فإذا بكثير من الثّوريين المتفلسفين يعكفون على استملاء التّجارب ، والأدوية من الكتابات ، والمؤلفات الجاهزة ، وتدور المطابع ، وتكثر الكتابات الثّورية ، حافلة بالتنفخ ، والادعاء ، ولو جاز تطبيق حدّ السّرقة على اللّصوص ، لكان أوّل من يحق عليهم حدها أولئك السّرقة الكاتبون ، المقتبسون ، دون تمييز ، الآكلون أفكار النّاس بالخطف ، والتّقليد ! ! والحقّ أنّ الإصلاح الثّوري نبات لا بد أن يتفجر من باطن الأرض المخصبة ، ومن أعماق الفرد القلق ، المتطلع إلى الثّورة ، ثم لا بد لهذا النّبات من يد حكيمة ترعاه ، وتمهد له ، ثم لا بد له أيضا من مناخ ملائم ، وبيئة سخية ، تغذوه حتّى يستغلظ ، ويستوي على سوقه « 1 » . فقد تلقى البذرة في أرض سبخة فلا تؤتي ثمرة ، وقد تكون البذرة لنبات قطبي ، لا حاجة به إلى الشّمس ، فإذا الأرض انشقت عن وريقاته ، ولسعتها الشّمس ، احترقت وهي لما تزال وليدة . وقد تكون حياة النّبتة متوقفة على الشّعاع الدّافق ، والهواء المتجدد ، فإذا حرمت منها ذبلت وأصفرت ، ثمّ ماتت ضحية ( الأنيميا ) والاختناق . ولقد كان مجتمعنا مثقلا بحمل الثّورة ، متطلعا إلى رؤية جنينها ساعة يولد ، فلما تخلق الجنين ، واكتمل ، وخرج إلى الدّنيا امتدت الأيدي تحجب الضّوء عن
--> ( 1 ) اقتباسا من الآية 29 من سورة الفتح فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً .