محمد عبد الله دراز

57

دستور الأخلاق في القرآن

ويلاحظ عند قراءة بحوث الجريمة أنّها تؤكد دائما أنّ الإحصاءات الرّسمية ، أو السّجلات الخاصة بالمجرمين لا تمثل حجم المجتمع الأصلي لمرتكبي الجرائم فعلا ، فهناك الجرائم المجهولة ، أو غير المنظورة ، وهي الّتي لا تكشفها جهود رجال الشّرطة ، والضّبط ، أو الّتي لا يبلغ عن وقوعها ضحاياها . ويقدم الدّكتور صلاح الدّين عبد المتعال في بحثه عن علاقة الجريمة بالتغير الاجتماعي ، مثالا على هذه الحقيقة في جرائم النّشل ، فإنّ نسبة المجني عليهم من الذين تكرر تعرضهم للنّشل قبل الواقعة الأخيرة ، ولم يبلغوا السّلطات عن هذه الحوادث السّابقة - بلغت ( 75 % ) من مجموع من تكرر تعرضهم للنّشل . وبعض الذين لا يبلغون السّلطات عن الجرائم الّتي ترتكب ضدهم ، يفضلون أن يبلغوا عنها أحد الأولياء ، أو القديسين ، فيرسل الواحد منهم إليه رسالة تتضمن شكواه من جان يعرفه ، أو لا يعرفه ، ويطلب منه في هذه الشّكوى أن يصدر حكمه العادل ، أو يرفع الظّلم ، أو يشترك مع أولياء آخرين في نظر القضية ، أو عقد هيئة المحكمة الباطنية « 1 » . ولقد نجد لدى بعض الكتاب ميلا إلى محاولة تسويغ انتشار الجريمة ، أو ( تبرير ) وقوعها بأنّ هناك درجة من الانحلال الاجتماعي ضرورية لإمداد المجتمع بالتغييرات الجديدة . ومعنى ذلك ضرورة وجود الجريمة كدافع إلى التّغيير المستمر ، وهي وجهة في النّظر مردودة ، لأنّ التّغيير ليس مرتبطا ارتباطا عضويا بوجود الجريمة ، وإلا لاعتبرنا المجرمين مصلحين اجتماعيين ، وبحسبنا

--> ( 1 ) انظر ، التّغير الاجتماعي في البلاد العربية وعلاقته بالجريمة للدّكتور صلاح الدّين عبد المتعال : 27 .