محمد عبد الله دراز
50
دستور الأخلاق في القرآن
منهاجه ، فإذا حضرتني خاطرة تتصل بما كنت آنذاك حريصا على تحصيله ، وأيضا على التّظاهر به أمامه ، وهو ثقافتي الفرنسية - علوت بصوتي ، أسأل الأستاذ ، وهو يبتسم في سمت وقور ، ثم يجيب ، ويناقش ، مدركا ما كنت أرمي إليه من تعارف أتمنى أن تتوثق عراه ، وليس كالثقافة المشتركة عاملا من عوامل التّقريب بين النّاس . كنت في ذلك الحين أعرف قدر أستاذي ، وأدرك خطر مكانته ، رغم تواضعه الجم ، وسماحته السّخية ، ورغم أننا افترقنا منذ ذلك التّأريخ ، فارقته شخصا ، ولم أفارقه فكرا ، ولا روحا ، حيث عشت محنة عام كامل ، ثم لم نلتق حتّى كانت وفاته في السّادس من يناير ( 1958 م ) . لم أكن أتصور أنّ هذه العلاقة سوف تستبد بي فيما بعد ، لأعكف ثلاث سنوات ، أو تزيد ، أستخرج خلالها أثمن ما ترك من تراث ، وأخلد ما أبدع من فكر ، رسالته عن ( دستور الأخلاق في القرآن ) ، وهي الّتي قدمت نسختها الفرنسية إلى المطبعة عام ( 1948 م ) ، ثم لم تظهر ترجمتها العربية إلا بعد ربع قرن من ذلك التّأريخ ، وبعد أن لحقّ المؤلف ، رضوان اللّه عليه ، في الرّفيق الأعلى ، بأكثر من خمسة عشر عاما . كيف ظلت هذه الرّسالة دون تعريب حتّى الآن ، على جلالها ، والدّنيا كلّها تعرف بوجودها ، والمعربون بحمد اللّه كثرة كثيرة ، وفيهم من قرأها ودرسها ؟ ! سؤال لا جواب له إلا بأنّها إرادة اللّه ، الّتي ادخرت هذا العمل ، لتتصل به علاقة شاء اللّه لها أن تتنامى بالغيب ، على تنائي طرفيها ، أو أطرافها جميعا . والكتاب كما هو في الفرنسية [ La Morale Du Coran ] ، أي : ( أخلاق القرآن ) ،