محمد عبد الله دراز
46
دستور الأخلاق في القرآن
يخضع لحكم العقل ، ويتسم بالنبل ، والاعتدال ، هو نفسه « الوسط العادل » الّذي تكلم عنه الحكماء ، والفلاسفة ، ويزيد عليه القرآن تنظيما في تدرج القيم بحسب الجهد الّذي يبذل . فهناك الحد الأدنى الّذي يفرض على الإنسان العادي ؛ وما زاد على ذلك فهو « كمال » يحث عليه القرآن تزداد عليه درجات الفضل ، والمثوبة . أمّا فيما يتعلق بالقسم الثّاني من الكتاب ، وهو الخاص بالأخلاق العملية ، فقد اختار المؤلف طريقة للعرض تختلف عن طريقة « الغزالي » ، ومن حذا حذوه من المصنفين لآيات القرآن الكريم . فبدلا من أن يجمع جميع الآيات الّتي لها صلة بالسلوك الإنساني ، اكتفى بذكر عدد من الآيات الّتي تشرح بوضوح كلّ قاعدة من قواعد السّلوك ، وتحاشى التّكرار على قدر الإمكان . وبدلا من التّقيد بتسلسل السّور ، أو التّسلسل الأبجدي للمبادئ الأخلاقية ، فضّل انتهاج نظام منطقي . فجمع النّصوص القرآنية ، كلّ طائفة في فصل خاص ، بحسب نوع العلاقات الّتي تنظمها كلّ قاعدة من قواعد الأخلاق : فينطوي الفصل الأوّل الخاص « بالأخلاق الفردية » على الآيات المتصلة بالتعاليم الخلقية للفرد ، والجهد الأخلاقي ، وصفاء الرّوح ، والاستقامة ، والعفة ، والسّيطرة على الشّهوات ، وكبت الغضب ، والإخلاص ، والوداعة ، والتّواضع ، والتّحفظ في إصدار الأحكام ، والامتناع عند الشّك ، والمثابرة ، والتّحمل ، والاقتداء بالمثل الطّيب . . . إلخ . ومن حيث التّحريمات نجد الآيات الّتي تمنع الانتحار ، وبتر الأعضاء ، أو تشويه الجسم ، وتحرم الكذب ، والنّفاق ، والبخل ، والإسراف ، والتّفاخر ، والتّعالي ، والحرص على متاع الدّنيا ، والحسد ، والفسق . . . إلخ . ويهتم الفصل الثّاني بتجميع الآيات الّتي تتصل بالأخلاق العائلية ، ويصنفها تحت أقسام : الواجبات نحو الآباء ، والأبناء ، والواجبات نحو الزّوج ، والواجبات نحو