محمد عبد الله دراز
368
دستور الأخلاق في القرآن
الخيرة أكثر يسرا ومودة ، ولكنها لا تستطيع أن تمس فينا القدرة على هذه الحمية الجريئة الّتي نقدر على إتيانها رغم كلّ شيء ، مضحين بمسراتنا . وكذلك عندما يخضع المرء لإكراه خارجي ، أو لضرورة حيوية ، فإنّه يفعل ذلك بحرية ، وهو يوازن بين الأدلة ، والبواعث المتناقضة ، ثمّ يختار ما يبدو له أكثر تناسبا ، وعلى أساس من هذا الاختيار يكون حسابه ، أحسن أو أساء . وأخيرا ، فإنّ المبدأ القرآني للمسئولية هو مبدأ فردي ، يستبعد كلّ مسؤولية موروثة ، أو جماعية بالمعنى الحقيقي للكلمة . هذه المبادئ الّتي تتبعناها على وجه الدّقة ، والّتي استخرجنا منها أدق النّتائج في الميدان الأخلاقي ، والدّيني - قد ورد عليها - ولا ريب - استثناءات ، في الميدان الفقهي ، ومع ذلك لم نغفل كثيرا من مسائلها الجوهرية . ويبقى العمل الإرادي للفرد الإنساني المزود بالعقل ، الموضوع الدّائم ، والوحيد للمسئولية ، وتبقى أيضا نية فعل الشّر شرطا ضروريا للعقاب . وعندما حدثت للمرة الوحيدة ( في المسؤولية المدنية ) مخالفة لهذه القاعدة الأخيرة ، كيما ترضى مطالب أخرى ليست بأقل شرعية - لم نقعد عن إلحاقها بمخالفة أخرى من شأنها تخفيف آثار الأولى ، بحيث إنّ الشّارع الإسلامي - بعيدا عن المجال الأخلاقي المحض ، ومع تغليب المصالح العاجلة - لم يتجاهل المبادئ الأساسية للتجريم الحقيقي .