محمد عبد الله دراز
362
دستور الأخلاق في القرآن
خطأ . كيف نفسر من وجه آخر - الكفارات الّتي أمر بها القرآن في حالة القتل اللاإرادي ، أعني القتل الخطأ ؟ « 1 » . إنّ المسلم الّذي كان سببا غير متعمد في هلاك أخ له - يجب أن يعتق أخا آخر
--> ( 1 ) لا ريب أننا نستطيع أن نفترض عند هذا الحدّ ، وهذا الحدّ فقط - حالات يخطئ فيها القاتل طبيعة هدفه ، على الرّغم من كلّ الاحتياطات ، والجهود الّتي يستخدمها لتمييزه ، وفي هذه الحالات ، الّتي لا يفسر فيها الخطأ بالإهمال ، لا يبقى في وسعنا أن نعتبر الجزاء كفارة خطأ ، جسيم أو ضئيل ، وحينئذ ، نعتقد أنّ من الممكن تفسيره على أنّه احتياط يستهدف المستقبل بدلا من أن نعطفه نحو الماضي . والخطأ منبع للشر ، ولا ينبغي للشر أن ينتصر ، والخطأ يولد في المجال الأخلاقي الرّذيلة ، كما يؤدي في المجال العقلي إلى التّزييف ، والرّذيلة ، والتّزييف هما النّقيصتان اللّتان تدنسان النّفس ، وتقللان طاقتها وطهارتها . ولا ريب أنّ الخطأ حين يحدث لا يوجد شيء يمكن أن يفعل ضده ، وعندما لا يكون قد حدث بعد فلا شئ يمكن أن يفعل لاستباقه ، وخاصة حين نفترض أننا فعلنا كلّ ممكن إنسانيا لتفاديه ، وإذن ، فليس اقتدارنا على الصّراع ضد الخطأ من حيث كونه حدثا قد تم فعلا ، أو واقعا تأريخيا عرضيا ، ولكنا إذا ظللنا ساكتين في مواجهة الشّر الّذي يحدثه الخطأ ، فإنّ الشّر سوف يعيد نفسه ، ويتمادى ، ثمّ هو بفضل العادة قد يوقظ فينا ميولا سيئة ، كانت حتّى ذلك الحين نائمة . وهكذا يمكن أن يتحول العمل الّذي تم من قبل على أساس من الغفلة ، ليصبح عملا حرا وإراديا . وإذن ، فإذا كان للخطإ واقعه ، فإنّ له كذلك غايته ، فلم يوجد الخطأ من أجل أن يفرض نفسه علينا فرضا استبداديا ، ثم يحملنا نتائجه المقدورة ، وإنّما وجد كيما يحرك فضولنا العقلي ، وطاقتنا الأخلاقية ، حتّى نتجنب آثاره السّيئة . وإذا كنّا لا نستطيع أن ننفي الخطأ في ذاته ، فإنّ لدينا مع ذلك الوسائل الّتي نحتاط بها من الاتجاهات الشّريرة الّتي يعمل على خلقها ، وكذلك من تكرار الغلطة على نحو كثير ، وهو أمر قد يحدث في غيبة أي فعل مضاد . إنّ رد فعلنا سوف يكون مؤثرا بقدر ما يتمثل في أفعال إرادية قادرة على أن تلمس حساسيتنا ، وأن تثبت في ذاكرتنا ، وأن تحرك من جديد همنا الأخلاقي ، وليس فيما يبدو من ندم عابر ، أو اتهام رفيق بأنفسنا . وتلكم هي الحسنات الّتي ننتظرها من تضحية نرتضيها بحرية على إثر غلطة لم نتعمدها ، في الحالات المحددة .