محمد عبد الله دراز

345

دستور الأخلاق في القرآن

مسؤولا عن أي شيء ، ولكن العلاقة بين الواقع الخاضع للحكم ، والفرد المسؤول تفقد هذه الدّقة في التّحديد على الفور ، فلا تعود تقتضي هذه المجموعة من الشّروط . ومع ذلك ، فإنّ علينا أن نفرق في المجال القانوني بين المسؤولية الإصلاحية ( المعروفة بالمدنية ) ، والمسؤولية الجزائية ( أو العقابية ) ، فهذه الأخيرة تظل وثيقة الصّلة بالمسئولية الأخلاقية بتحديدها ، وقصرها على الإنسان البالغ ، السّوي ، عندما يعمل عن قصد ونية . لقد حاول بول فوكونية [ Paul Fauconnet ] في دراسته الاجتماعية عن المسؤولية - أن يبين أنّ هذا التّحديد الدّقيق الّذي نجده في المجتمعات الأوربية المعاصرة - هو من النّاحية التّأريخية ذو أصل قريب . وقد بحث المؤلف أوّلا الظّروف الّتي يمكن لفرد أن يعد فيها مسؤولا على سبيل الافتراض ، فأثبت بالوقائع ( المأخوذة لا عن الشّعوب البدائية فحسب ، بل عن مجتمعات أكثر ارتقاء في التّنظيم ، وحتّى وقت قريب من عصرنا ) - أثبت أنّ الأطفال ، والمعتوهين ، وحتّى الحيوانات ، والأشياء ، كانت تعامل غالبا على أنّها مسؤولة عقابيا ، وكانت تدان بهذه الصّفة . وكتب المؤلف يقول : « فمسئولية الحيوان العقابية ليست ظاهرة بدائية ، قد تمحي أمام الحضارة ، بل إنّ العكس تقريبا هو الصّحيح ، ولقد نجد هذه المسؤولية في المجتمعات الثّلاثة الّتي خرجت منها حضارتنا ، في بني إسرائيل ، واليونان ،