محمد عبد الله دراز
343
دستور الأخلاق في القرآن
وجد . والحقّ أنّ مسألة الحتمية العلوية لا تطرح إلّا لأجل نوع من الفضول العقلي ، وبوساطته ، وما ينشأ عنه لا يهم الجانب الأخلاقي ، ولا الإيمان ، ولا التّقوى . فأمّا فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي بخاصة - وهو موضوع دراستنا - فإنّ ما تهم معرفته ليس هو ما يقع في الحقيقة ، من مؤثرات تؤدي إلى حدوث الفعل ، بل هو الطّريقة الّتي يتصور بها الإنسان عمله ، والعنوان الّذي يعمل تحته ، وفي كلمة واحدة : نيته ، وقصده . فلنفحص إذن ضميرنا في لحظة اتخاذ القرار . . . ألدينا في هذه اللحظة بعض هم بمعرفة ما إذا كان شعورنا الّذي لا يتزعزع بحريتنا العلمية يطابق واقعا مطلقا ، أو لا يطابقه ؟ . إنّ الاهتمام الّذي نوجهه إلى موضوع عملنا لا يمتصنا امتصاصا كاملا فحسب ، بحيث لا يدع مجالا لأي هم من هذا القبيل ، وكذلك ، المسألة المطروحة ، قد لا يقتصر أثرها فقط على أن تجعلنا غير مبالين ، وقد لا تغير شيئا من موقفنا - ليس هذا فحسب ، ولكن حتّى لو ثبت الطّابع الوهمي لإحساسنا ، فلا بد أن يكون لنا شأن في القضية المقررة ، فهل يكون القرار الّذي اتخذناه غريبا عنا في الواقع ؟ . . وهل يكون هذا القرار موحى به ، أو مملى علينا ، أو مفروضا بوساطة قوة مختفية لا نستطيع تحديد كنهها ؟ . . . وهل اللّه هو محركها الأوّل ؟ . . لا أهمية لكلّ هذه التّساؤلات إذ أننا بمجرد ما نلجأ - في لحظة ثانية ، وبنية ثانية - إلى تبني القرار ، واعتماد تنفيذه ، فإننا نصبح بهذا متضامنين مع فاعله الحقيقي . فإذا لم نكن السّبب الأخلاقي للعمل في ذاته ، جوهرا ، وصفة ، فنحن هذا السّبب على الأقل من حيث تكييف هذه الصّفة ؛