محمد عبد الله دراز

341

دستور الأخلاق في القرآن

مُعْرِضُونَ « 1 » . وموجز القول ، أنّ اللّه لا يضل إلّا الأشرار ، وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ « 2 » ، ولا يهدي غير من يرجع إليه : وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ « 3 » . والتّحفظ الثّاني : أنّه في كلّ هذه الظّروف الإيجابية والسّلبية لم يقل : إنّ الإرادة الإلهية تؤثر مباشرة على فعلنا الأخلاقي ، وإنّها تقيد الإرادة الإنسانية ، أو تحل محلها ، ذلك أنّ المنح الإيجابية لفضل اللّه تحتوي - بداهة - من المساندة قدرا يحفظ جهدنا . إنّها الأجنحة الّتي تساعد أنفسنا على التّحليق . ذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ ييسر لعباده المختارين المهمة تيسيرا واضحا ، حين يريهم الأمور على ما هي عليه ، وحين يحبب إلى قلوبهم الحقيقة ، والفضيلة ، ولكنه لا يؤدي المهمة بالنيابة عنهم ، لأنّ الكلمة الأخيرة ، المنوطة بإرادتهم لم تصدر بعد . وكذلك الحال حين يذر اللّه الظّالمين يتخبطون في الظّلماء ، وهم في قبضة بعض الصّعوبات ، وذلك ليبحثوا عن المخرج منها بمجهوداتهم الخاصة ، ولم يقل أحد : إنّ اللّه يقهر إرادتهم بالضرورة على أن تختار الجانب الأسهل . والمسألة الّتي يبقى علينا أن نعرفها ، والّتي تفرقت المدارس الإسلامية بصددها بطريقة واضحة هي : عندما يطلب اللّه منا أن نستخدم قدرتنا على الاختيار ، بعد أن يكون قد وضع رهن تصرفنا هذه الموارد العامة ، والخاصة هل يتخلى اللّه عنا تماما ؟ ألا يتدخل لمصلحة أي جانب ؟ أو أنّه يدخل هنا - دون علم

--> ( 1 ) الأنفال : 23 . ( 2 ) البقرة : 26 . ( 3 ) الشّورى : 13 .