محمد عبد الله دراز

330

دستور الأخلاق في القرآن

الإنسان من قبل بوسائل العمل ، الضّرورية لأدائه . والحقّ أنّ القدريين - حين أرادوا أن ينقذوا مبدأ وحدانية الخالق - لم يصلوا إلى حدّ إنكار الشّريعة الأخلاقية ، أو أن يعزوا إلى من وضع هذه الشّريعة بعض الظّلم . ولكنهم كانوا يتصورون هذه الشّريعة الآمرة على أنّها رمز لقانون وصفي محض ، ويتصورون الجزاء على أنّه الأثر الطّبيعي النّاشئ عن نظام الأشياء . أمّا الأحرار الحريصون على الدّفاع عن العدالة الإلهية - فإنّهم - على العكس - لم يريدوا أن يرفعوا الإنسان إلى مرتبة اللّه ، ولكن كان عليهم أن يقولوا بنوع من الاستثناء في فعل الخالق . ومن قبل قيد المنطق مدى هذه القضية : « كلّ ما يوجد مخلوق للّه » ، علما بأنّ اللّه موجودا ، ولا يمكن أن يكون مخلوقا لنفسه . فلما ذا لم يحدث منطق التّجربة - هو أيضا - قيدا آخر باستثناء الأفعال الإنسانية ؟ . . فإذا ما دفعنا هذين التّعليلين إلى أقصى مدى انتهينا - بعكس ما هو مشاهد - إمّا إلى إلغاء الإرادة الإنسانية ، ومعها واقع الواجب ، وإمّا إلى تحديد بحال فعل الإرادة الإلهية تحديدا كبيرا . وقد حاولت مدارس أهل السّنّة - فيما بعد - وبفضل مبدأ الاشتراك ، الّذي قالوا به ، أنّ توفيق بين هذين المفهومين المتعارضين ، فلا الإرادة الإنسانية ، ولا الإرادة الإلهية ، كلتاهما لا يمكن أن تتوقف في الأعمال الإنسانية الموصوفة بأنّها إرادية . إنّ الإرادتين تعملان في وقت واحد ، وتشتركان في إنتاج أفعالنا ، ولكن بطريقة مختلفة ، ففعل اللّه فعل خالق ، على حين أنّ الإنسان وهو يسخر قواه ، ويحشدها لا يفعل أكثر من أنّه يتفتح للفعل الإلهي ، حتّى يتلقى منه العمل كاملا .