محمد عبد الله دراز
322
دستور الأخلاق في القرآن
2 - قدرة الإنسان على أن يحسن أن يفسد كيانه الجواني : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها « 1 » . وتضيف الآن عنصرين آخرين : 3 - عجز جميع المثيرات عن أن تمارس إكراها واقعيا على قراراتنا . والواقع أنّ القرآن يذكرنا في مواضع كثيرة بهذه الحقيقة ، فإنّ أكثر نصائح الحكمة إقناعا ، وأقوى دعوات الشّر إغراء - لا تحدث أدنى تأثير في سلوكنا ، دون أن يكون لإرادتنا انبعاث حرّ ، لتقبلهما ، أو لرفضهما . والقرآن يقرر على لسان الشّيطان : وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ « 2 » . ويقول : نَذِيراً لِلْبَشَرِ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ « 3 » . 4 - الإدانة القاسية للأعمال النّاشئة عن الهوى ، أو التّقليد الأعمى ، يقول القرآن : وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ « 4 » . ويقول : إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ « 5 » . وهي أعمال غالبا ما يمنحها الضّمير العام صفة عدم المسؤولية ، أو يدمغها بمسئولية مخففة . ألسنا نرى أنّ هذه الصّيغ ، في تعددها ، لا يستطيع أحد من أنصار الحتمية أن يقبلها ، ولا يتردد أصلب المدافعين عن الاختيار الحرّ في أن يتقبلها ؟ .
--> ( 1 ) الشّمس : 9 - 10 . ( 2 ) إبراهيم : 22 . ( 3 ) المدثر : 36 - 37 . ( 4 ) الأعراف : 176 . ( 5 ) الصّافات : 69 - 70 .