محمد عبد الله دراز
318
دستور الأخلاق في القرآن
للمقارنة في ظروف غير متساوية ، فإنّ ما يصدق على قوة عمياء ، مستسلمة لذاتها ، لا تملك غير معطاتها الرّاهنة ، لا يكون كذلك عندما نجعل خلف جهازها صانعا ماهرا ، يكيفها تبعا لحاجاته ، مستخدما الإمكانات الّتي تنطوي عليها . ولسوف يبدع هذا الصّانع الماهر بحيلة مناسبة ضروبا أخرى من اليسر ، ومن المقاومة . ثمّ يعمل بحيث يجعل الجسم الّذي يسقط ، إمّا أن يتوقف عن السّقوط ، أو يحمل في الهواء ، وبحيث يجعل الماء الّذي يصب في الوادي يعاود الصّعود إلى السّفح . ولنضع أنفسنا في نفس الظّروف ، وحينئذ لن تكون القوة الأخلاقية بحيث تقدم أي استثناء . والواقع أنّه عندما تجعل الذات اختيارها في الجانب الّذي ينطوي على مقاومة أكبر ( ولنفترض أنّ ذلك حيث تأتمر بأمر الشّرع ، أو القانون ) فإنّها تدعو من أجل هذا احتياطاتها من الطّاقات القوية ، حتّى تعوض نقص القوى الموجودة . فتارة يكون هذا المدد ذا طابع « فكري » ، حيث يكون التّعليل العقلي من أجل معادلة ثقل الغريزة الهادئة ، أو العادة الجامدة . وتارة أخرى ذا طابع « مادي » ، سواء لتحاشي موقف مثير ، أو لتحويل تيار عرم ، لانفعال يرفض المناقشة ، والتّفاهم . وهكذا لا يدرك القرار الأخلاقي في هذه الحالات إلّا بوساطة جهد من المقاومة جديد ، وهو جهد يتضاعف أثره حين لا يقتصر على إعادة إقرار التّوازن المتخلخل فحسب ، بل حين يهيئ قلب النّظام المبدئي للثقل ، ويرجح الميزان إلى النّاحية المقابلة . ولكي تكون لدينا صورة تقريبية للصعوبات الّتي تلقاها إرادتنا في استعداداتنا الموروثة ، أو المكتسبة - يكفي أن نتصور إنسانا غارقا في نوم عميق ، وهو